فهرس الكتاب

الصفحة 9787 من 9994

وفى صحيح البخارى ومسلم من حديث أنس قال رجل: يانبى الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟! فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( أليس الذى أمشاه في الدنيا على رجلين قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ) ). قال قتادة: بلى وعزة ربنا ( [7] ) .

ونحن نقول: بلى وعزة ربنا إنه لقادر أن يحشر الكافرين يوم القيامة على وجوههم.

أيها الحبيب:

هل تصورت قبل أن ترى الحية أن دابة تمشى على بطنها؟! إن الذى جعل الحية تمشى بدون أرجل سيحشر الكافر وهو يمشى على وجهه يوم القيامة، إنه على كل شئ قدير.

أناس يمشون على الأقدام وأناس يركبون، من هؤلاء الذين يركبون في هذا اليوم العصيب ؟!

اسمع لربك جل وعلا … قال سبحانه: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم:85] .

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت: 30 ] .

ويقدم الملائكة لأهل التقى ركائب من دواب الآخرة عليها سُرُج من ذهب فيركب المتقون، وينطلقون بها في أرض المحشر حتى لا يمشون على أقدامهم في هذا اليوم العصيب.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.

والتقوى هى أن يطاع الله فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر.

وسئل أبو هريرة عن التقوى فقال:"هل مشيت على طريق فيه شو ك؟"قال: نعم، قال:"فماذا صنعت إذا رأيت الشوك؟"قال: اتقيته، قال أبو هريرة:"كذاك التقوى".

وقال ابن المعتز:

خلِّ الذنوب صغيرها ... ... وكبيرها فهو التقى ...

واصنع كماش فوق ... ... أرض الشوك يحذر مايرى ...

لاتحقرن صغيرة ... ... إن الجبال من الحصى ...

قال طلق بن حبيب:

التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا مريم: 85-86.

فالتقي يحشر راكباً، والعاصي يحشر وارداً، أما المتكبرون الذين انتشوا وانتفخوا في الدنيا ولم يذلوا أنفسهم لله، ولم يخفضوا جناح الذل لخلق الله بل تراه مغروراً بكرسيه الذى جلس عليه، وتراه مغروراً بمنصبه وتراه متكبراً بماله، وتراه متكبراً بسلطانه وجاهه.

فهذا والله الذى لا إله غيره سيحشر بمنظر وهيئة لو علمها لوضع أنفه في التراب ذلاً لمولاه، ولخفض جناح الذل لخلق الله.

غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب

يا ابن التراب ومأكول التراب

علام الكبرياء يا ابن آدم؟ وأنت تحمل البصاق في فمك!! وتحمل العرق تحت إبطيك!! وتحمل البول في مثانتك!! وتحمل النجاسة في أمعائك!! وتمسح عن نفسك بيدك العذرة كل يوم مرة أو مرتين!!!

يا أيها الإنسان ما غرك!!

مر أحد السلف على رجل متبختر مختال في مشيته فقال له هذا الرجل الصالح: يا ابن أخى هذه مشية يبغضها الله ورسوله.

فقال له المتكبر: ألا تعرف من أنا؟!!. من أنت أيها المغرور؟!

تصور معى مشهد حشر المتكبر يوم القيامة.

أخرج الترمذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان ) ) ( [8] ) .

يحشر المتكبرون يوم القيامة كذر تدوسه الأقدام والأرجل لأنه كان منتفخاً منتشياً متكبراً مغروراً في الدنيا.. والجزاء من جنس العمل.

فكما انتفخ واستعلى في الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة في غاية الذلة والمهانة تطأه الأرجل والأقدام.

فإذا ما وصلت الخلائق كلها إلى أرض المحشر تنزلت الملائكة ضعف عدد من في الأرض.. تحيط الملائكة بأهل الأرض من كل جانب.

إن الموقف فيه من الأهوال والكروب ما يخلع القلوب وهذا هو عنصرنا الثالث

ثالثاً: هول الموقف

إذا ما وصل الناس إلى أرض المحشر ازداد الهم والكرب والغم. .. ولم لا‍!! وقد وقفوا قياماً طويلاً..طويلاً!!

و هاهي الشمس تدنوا من الرؤوس. ففى صحيح مسلم من حديث المقداد أنه قال: (( تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل ) )قال الراوى: فوالله ماأدرى مايعنى بالميل: أمسافة الأرض، أو الميل الذى تكحل به العين؟‍! قال: (( فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً ) )وأشار بيده إلى فيه ( [9] ) .

وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف آذانهم ) ) ( [10] ) .

هل تصورت هذا المشهد؟ حرارة تذيب الحديد والحجارة فوق الرؤوس ولك أن تتصور البشرية كلها تحشر في مكان واحد على أرض واحدة.

زحام يخنق الأنفاس!!

وفى هذا المشهد والموقف الرهيب يزداد الهم والكرب بإتيان جهنم.

إيه والله … يؤتى بجهنم في أرض المحشر كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم والحديث رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله: (( يؤتى بالنار يومئذ لها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) ) ( [11] ) .

فإذا أقبلت جهنم، وأحاطت بالخلائق، ورأت الخلق زفرت، وزمجرت غضباً منها لغضب الله جل وعلا.. عند ذلك تجثوا جميع الأمم على الركب من الخوف والذلة.

قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 28] .

وليس ذلك فقط بل يحدث ما تشيب منه الرؤوس وتنخلع له القلوب!!

اسمع إلى هذا الحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج عنق من النار له عينان تبصران وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إنى وكلت بثلاثة، لمن جعل مع الله إله آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين ) ) ( [12] ) .

ويسجل القرآن جزاء كل جبار عنيد فيقول عز وجل: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15-17] .

فى هذا المشهد في الحر الشديد، والزحام الرهيب!!

وفى هذا التدافع في هذا الموقف الذى ترتعد منه الفرائص وتشيب له الرؤوس، ويهتز له الوجدان فإن الأنبياء حينما يرون هول هذا الموقف لايملكون إلا أن يقولوا: اللهم سلم.. سلم!!

هذه دعوتهم يومها، والكلام مقتصر عليهم دون غيرهم!!

يومها تذهل كل مرضعة عن رضيعها، وتضع كل ذات حمل حملها وينتاب الناس الهلع، والرعب حتى تظنهم سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

يومئذ يفر المرء من أبيه، وأمه، وأخيه، وصاحبته، وينسى الابن أبويه اللذان برهما في دنياه وألان لهما الجانب وأطاعهما في غير معصية لله!!

يومها يفر الأخ من أخيه ولا تعد هناك روابط نسبية!!

ويومها تفر الزوجة من زوجها الذى أعطى لها كل عطفٍ وحنانٍ ورعايةٍ وصحبة جميلة حسنة!!

يومها ترمى الأم الحنون بطفلها في غير وعى فلا أمومة في هذا الموقف الرهيب المخيف، الكل يقول: نفسى... نفسى...! حتى الأنبياء!

الكل له شأن يلهيه، استمع لقول مولاك عز وجل فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37] .

ولله در القائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت