فهرس الكتاب

الصفحة 9776 من 9994

فلا تيأس ولا تقنط فإن الفقيه هو الذى لا يُقَنِّط الناس من رحمة الله ونعوذ بالله ممن يملأ القلوب قنوطاً .

بل إن الله لا يجمع على العبد أمنين أو خوفين فمن أَمَّنَكَ في الدنيا عَرَّضَكَ للخوف في الآخرة ، ومن خوَّفك في الدنيا وجهك إن شاء الله تعالى لحياة الأمن في الآخرة .

فيا أيها الخيار الكرام:

إعلموا أننا عبيده وأنه الرحمن الرحيم

فأقبل على الله سبحانه . واتهم نفسك وقف على عيوبها وأحذر نفسى وإياك بأن مكمن الخطر أن تنخدع بنفسك !! وأن تغرك نفسك !!

وأن تظن أنك على الهدى والخير مع تفريطك وتقصيرك . ولقد قالت عائشة رضى الله عنها في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه ... لو لقيت الله في كل يوم بذنب فعد أيام عمرك لتقف على حجم الذنوب ولا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر في حق من عصيت .

اتهم نفسك أخى الحبيب فهذه عائشة الصديقة التى أنزل الله براءتها من فوق سبع سموات .

التى أحبها النبى صلى الله عليه وسلم من كل قلبه قال عبد الله بن عمرو كما في صحيح البخارى: (( من أحب الناس إليك يا رسول الله ؟ قال"عائشة"، قال من الرجال ؟ قال"أبوها"قال ثم من ؟ قال"عمر") ) (1)

عائشة يسألها رجل ويقول: يا أماه أريد أن أفهم قول الله سبحانه:

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه [فاطر: 32]

فقالت عائشة: أى بنى ، السابق بالخيرات هؤلاء هم الذين سبقوا مع رسول الله وشهد لهم رسول الله بالجنة .

والمقتصد: هم الذين مضوا على أثر رسول الله من أصحابه حتى لحقوا به.

والظالم لنفسه: مثلى ومثلك !!!

فقالت: (( والظالم لنفسه مثلى ومثلك ) )فجعلت عائشة رضى الله عنها نفسها معنا.

وهذا عمر فاروق الأمة ينام على فراش الموت ويثنى عليه ابن عباس خير الثناء .

فيقول عمر: والله إن المغرور من غررتموه ، وددت والله لو أن لى ملء الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه . وددت أن أخرج من الدنيا لا لى ولا على .

وخذ هذا المشهد لتابعى عَلَم إنه سفيان الثورى رحمه الله .

لما نام على فراش الموت دخل عليه حماد بن سلمة

فقال له حماد: أبشر يا أبا عبد الله إنك مقبل على من كنت نرجوه وهو أرحم الراحمين !!

فبكى سفيان الثورى وقال: يا حماد أستحلفك بالله أتظن أن مثلى ينجو من النار ؟!! فلا تغتر بعمل .. ولا تغتر بطاعة .. فنفسك أمارة .

ما وفقت للخير إلا بتوفيقه ومدده فضع أنفك في التراب ذلاً لمولاك .

لا تغتر بجاه .. لا تغتر بمنصب أو كرسى ، فلو دام الكرسى لغيرك ما وصل إليك !! ولا تغتر بمال ولا تغتر بأولاد ، ولا بطاعة لله .

وكن دائما على وَجَلْ فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون .

ومع هذا أقبل على الله بجد ورجولة .

أقبل على طاعة الله امتثل أمره واجتنب نهيه وقف عند حدوده ولا تنشغل بالدنيا ، لا تقضى عمرك كله للدنيا فإن الدنيا إلى زوال وإن العمر إلى فناء . فمهما طالت دنياك فهى قصيرة !! ومهما عظمت دنياك فهى حقيرة !! لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر .

واسمع لهذا النداء العلوى من الرب العلى جل وعلا:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]

وفى الحديث القدسى الجليل الذى رواه مسلم والترمذى من حديث أنس واللفظ للترمذى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:

(( قال الله تعالى: يابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان ولا أبالى ، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، يا بن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) (1)

وضع رأسك في الأرض شكرا لله فإنك من أمة الحبيب رسول الله فإن أمة النبى صلى الله عليه وسلم أمة مرحومة وأختم بهذا الحديث الذى رواه مسلم أنه تلا قول الله تعالى في ابراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ابراهيم:36]

وقرأ قول الله في عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]

فبكى المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال اللهم أمتى أمتى !! يا جبريل اذهب الى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله بما قال وهو أعلم فقال الله جلَّ وعلا: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نَسُوءُك (2) .

فأقبل ولا تخف ما من يوم يمر عليك إلا وربك ينادى كما في صحيح مسلم من حديث أبى موسى أنه قال:

(( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) ) (3)

أيها الشباب أيها الأحباب عودوا إلى الله وليحاسب كل واحد منا نفسه

حسابا شديدا.

فإن محاسبة النفس من أعظم الأدواء التى تنجى صاحبها من الهلاك في الدنيا والآخرة .

وإن إهمال محاسبة النفس من أعظم الأمراض التى تؤدى بهلاك صاحبها في الدنيا والآخرة.

(1) رواة البخارى (433/11) في الرقاق ، باب الحشر ، ومسلم رقم (9582) فى الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ، والنسائى (411/4) في الجنائز ، باب البعث .

(2) رواه الترمذى رقم (3141) فى التفسير ، باب ومن سورة ينى اسرائيل وقال الترمذى: هذا حديث حسن ، وللحديث شواهد بمعناه يقوى بها .

(1) رواه البخارى رقم (6533) فى الرقاق ، باب الحشر ، وفى تفسير سورة الفرقان ، باب قوله (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا) ، ومسلم رقم (2806) فى المنافقين باب يحشر الكافر على وجهه .

(1) أخرجه مسلم رقم (8782) في الجنة باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت .

(1) رواه البخارى رقم (103) في العلم ، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه ، وفى تفسير سورة (إذا السماء إنشقت) وفى الرقاق ، باب من نوقش الحساب عذب ، ومسلم رقم (2876) في الجنة ، باب إثبات الحساب ، وأبو داود رقم (3093) فى الجنائز ، باب عبادة النساء ، والترمذى رقم (2428) في صفة القيامة ، باب من نوقش الحساب عذب .

(1) رواه البخارى رقم (7512) فى التوحيد ، باب كلام الرب عز وجل ، رقم (7443) في باب قول الله تعالى (وجوه يومئذُ ناضرة) وفى الزكاة ، باب الصدقة قبل الرد وأخرجه مسلم رقم (1016) في الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى رقم (2427) في صفة القيامة باب في شأن القصاص .

(2) رواه البخارى رقم (2441) في المظالم ، باب قول الله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) وفى تفسير سورة هود ، باب قوله تعالى ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) وفى الأدب ، وفى التوحيد ، ومسلم رقم (2768) في التوبة ، باب توبة القاتل وإن كثر قتله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت