فهرس الكتاب

الصفحة 9775 من 9994

قال سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً % يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً % يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً % وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً

[طه:108-111]

بعد هذا الحشر حساب وعرض !! تصور نفسك الآن بين يدى الله جلّ وعلا ليحاسبك عن كل ما قدمت .

الملائكة تحيط بك !! البشرية كلها في أرض المحشر !! الأنبياء والملائكة ، والجن ، الكل صامت !! الكل خاشع !! وجلال الحى القيوم غمر النفوس والمكان بالهيبة والعظمة والجلال .

وفجأة: أين فلان بن فلان ؟! ... أنا ؟!!!!

هذا هو اسمى .. ماذا تريدون يا ملائكة الله ؟

أقبل للعرض على الله جلّ وعلا .

فتتخطى الرقاب يا عبد الله صفوف الملائكة وصفوف الإنس وصفوف الجن لترى نفسك بين يدى الملك .

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم r: كما في الصحيحين من حديث عائشة:

(( من نوقش الحساب يوم القيامة عُذب ) )

فقالت عائشة: يا رسول الله ، ألم يقل الله:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ % فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً [[الانشقاق:7-8]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم r: (( يا عائشة ليس ذلك هو الحساب إنما ذلك هو العرض فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب ) ) (1)

ومعنى العرض: أن الله سيوقفك بين يديه ليعرض عليك الأعمال كلها !! ليعطيك صحيفة هذه الصحيفة لم تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها .

فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها ؟!!

وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها ؟!!

فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك !!

اسمع لحبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم r وهو يقول كما في الصحيحين من حديث عدى بن حاتم:

(( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار ، تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) (1)

فإذا كنت من الصادقين المؤمنين الذين حاسبوا أنفسهم في هذه الدنيا أعطاك الله كتابك بيمينك وقربك منه سبحانه ، وأدناك وستر عليك .

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عمر رضى الله عنهما:

(( يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه ويقرره بذنوبه ويقول: لقد عملت كذا وكذا ، في يوم كذا وكذا ، فيقول المؤمن: رب أعرف رب أعرف ، فيقول الله جل وعلا: ولكنى سترتها عليك في الدنيا ، وأغفرها لك

اليوم )) (2)

فيعطيك كتابك بيمينك فيشرق وجهك وينبعث النور من أعضائك ويقال لك: إنطلق إلى إخوانك إلى من هم على شاكلتك من أهل الأنوار فذكرهم بأن مصيرهم اليوم هو الجنة فينطلق في أرض المحشر ، وكتابه بيمينه، والنور يشرق من وجهه ، ومن بين يديه ، ومن أعضائه .

فقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً .

قال الله جل وعلا:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ % إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ % فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ % فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ % قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ % كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]

وإن كانت الأخرى أعاذنا الله وإياكم من الأخرى .

أعطاه الله كتابه بشماله أو من وراء ظهره وأسودَّ وجهه وكسى من سرابيل القطران في أرض المحشر يصرخ ويقول:

يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ % يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ % مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ % هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ % خُذُوهُ فَغُلُّوهُ % ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ % ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ % إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ % وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ % فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ % وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ % لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:25-37]

دع ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب

والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب

وغرور دنياك التى تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب

الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفا سنا فيهما تعد وتحسب

وفى صحيح مسلم من حديث أنس:

ضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجزه .

فقال لاصحابه: (( ألا تسألونى: مما أضحك ؟ ) )

فقالوا: ممن تضحك يارسول الله ؟

فقال أضحك من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول العبد لربه سبحانه: يارب ألم تجرنى من الظلم ؟ فيقول ربنا: بلى ، فيقول العبد: فأنا لا أجيز شاهداً على إلا من نفسى ، فيختم على فيه ، ويأذن الله لأركانه وجوارحه أن تشهد فتنطق فتشهد عليه فيخل الله بيه وبين الكلام بعد ذلك فيلعن أركانه وجوارحه ويقول: سحقاً لكن ، فعنكن كنت أناضل ))

يقول الله جل وعلا: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ % وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ % وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ % هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ % اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ % الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ % وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ % وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلا يَرْجِعُونَ [يس:60-67]

أيها الحبيب: اعلم بأنك لن تترك سُدَى فما خلقت سدى ، وما تركت سدى وما خلقت عبثاً ولن تترك هملاً .

قال سبحانه: أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة:36]

وقال سبحانه: ]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [[المؤمنون:115]

أيها الحبيب: لم الغفلة ؟! وإلى متى هذا البعد ؟!

إلى متى هذه الغفلة ؟! إلى متى هذا الانحراف ؟!

أيها الحبيب: أقبل فإن الانفاس محسوبة ، وإن الأيام معدودة وإن أقرب غائب تنتظره هو الموت !!

فيا أيها الوالد ويا أيتها الأخت ويا أيها الأخ ويا أيها الإبن الحبيب:

فلنعاهد ربنا أن نمتثل أمره وأن نجتنب نهيه وأن نقف عند حدوده وأن نبدأ صفحة جديدة في حياتنا لأنك لا تضمن متى سيأتيك ملك الموت .

وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله .

اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى اثره إلى يوم الدين .

أما بعد فيا أيها الحبيب الكريم:

وأخيرا: أفق يا سابحاً في بحار الغمرات

أيها اللاهى . أيها الساهى . أيها المفرط أيها العاصى فلنعد جميعاً إلى الله ولنبدأ صفحة طاعة مشرقة مع الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت