وأكتفي بهذا القدر لأعرج سريعاً على بقية العناصر في كلمات موجزة وأسأل الله أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال وأقول قولي هذا واستفر الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية
أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله اللهم صلي وسلم وزذ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستنى بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد فيا أيها الأحبة الكرام
ثانياً"الإستخفاف بأوامر الله ورسوله"
من أبشع صور الغفلة أن يستخف رجل ينتسب للإسلام أو إمرأة لا تنتسب للإسلام لأمر الله ورسوله ، فإذا قلت له: إن الله عز وجل يأمرك بالصلاة في وقتها .. الله عز وجل يريد أن تخلص له العبادة كاملة .. الله عز وجل يأمرك أن تُذعن لشرعه .. الله عز وجل يأمرك يا أختاه بالحجاب الشرعي ، رأيته يستخف بأمر الله ، بل يرد عليك قائلاً: إني مشغول ولا أجد عندي وقت !!!
هذا واقع كلنا يعرفه كثير من المسلمين ، يسمع الآذان وهو في مكتبه أو وظيفته أو في تجارته وكأنه ما سمع شيئاً وكأن الأمر لا يعنيه .
يا أختاه الحجاب فرض .. فتقولك أريد أن أقتنع أولاً !!
استخفاف بأوامر الله عز وجل وأوامر المصطفى صلى الله عليه وسلم ورب العزة جل وعلا يقول لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا الجاثية 18
أمرُ من الله تعالى للمصطفى وإلى المؤمنين الصادقين"ثم جعلناك على شريعة من الأمر".
واختزال الشريعة في الحدود أمرٌ ينبغي أن يترفع عنه كل من يحترم عقله ونفسه ، فما الحدود إلا باب من أبواب المعاملات ، وما المعاملات إلا قسم من أقسام الشريعة بمفهومها الشامل لأننا إذا ما تحدثنا عن الشريعة يخرج علينا على الفور من يقول: تريدون أن تقطعوا الأيدي ؟! تريدون أن ترجموا الزناة ؟! تريدون كذا وكذا ؟!! تتعطشون لشرب الدماء وسفك الدماء؟!
أبدأ... إطلاقاً بل لابد أن نَعِي أن إقامة الحدود للا بد له من ضوابط ، سفهُ أن تقطع يد سارق وهو لا يجد لقمة وتَعَرض َ للتلف والهلاك...
لابد أن نفهم الدين... الإسلام دين عدل وإنصاف الإسلام دين يصلح البشرية في كل زمان ومكان ، لا أقول صالح لكل زمان ومكان بل يصلح كل زمان ومكان ، لأنه دين الله .
الإنسان الذي يشرع لبني جنسه إنسانُ محكوم من ناحية الزمان والمكان ، محكوم بضعفه.. محكوم بفقره ... محكوم بشهواته .. محكوم بهواه ... فإن رأى الإنسان في مكان لن يرى ما في غيره .. وإن عاش الإنسان زماناً لن يعيش زماناً آخر، ومن ثم يأتي تشريعه قاصراً ضيقاً أما تشريع الحق فهو تشريع الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .
لماذا لا نذهب لمنهج خالق الإنسان لنعلم ما يسعده وما يشقيه ؟!
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الجاثية 18
فالمؤمن الصادق يسمع هذا الأمر ويمتثل وشعاره"سمعنا وأطعنا".
أمرك بالتوحيد: سمعنا وأطعنا ، أمرك بالصلاة: سمعنا وأطعنا
أمرك يا أختاه بالحجاب: سمعنا وأطعنا ؟، أمرك بالإنفاق في سبيل الله سمعنا وأطعنا .
كل أوامر الله ، وكل نواهي الله ، وكل حدود الله ، المؤمن الصادق يقف أمامها بالسمع والطاعة:
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ النور 51 - 52
قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ الحجرات: 1-2
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إذا كان مجرد رفع الصوت على النبي يُحِبِطُ العمل فكيف بمن قَدًم عقله ورأيه وسياسته على قول الله وقول رسول الله ؟! تدبر هذا جيداً .
بل أنا أقول: فكيق بمن رمى شريعة الله وسنة رسول الله بالجمود والرجعية والقصور وعدم قدرتها وعدم مسايرتها لِمَدنَيَةِ القرن العشرين ؟
رفع الصوت يحبط العمل ... فما بالك بمن يرمي شريعة الله ورسول الله بالقصور والجمود والتخلف والرجعية وعدم قدرتها لمسايرة روح هذه المدينة !!
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا النساء 60 - 61
فالذي يسمع ويطيع هو المؤمن .. والذي يصد هو المنافق بنص القرآن أسأل الله أن يحفظني وإياكم من التفلق وأن يجعلني وإياكم جميعاً من المؤمنين الصادقين وأتضرع إليه أن يرد الأمة إلى شريعته رداً جميلاً أنه ولي ذلك والقادر عليه .
ثالثاً: الغفلة عن الغاية
أيها الوالد الكريم .. أيها الأخ الكريم .. أيها الإبن العزيز .. أيتها الأخت الفاضلة:
إننا مخلوقون لغاية لا بد أن نعيها وأن عيش لها من أجلها وألا نتغافل عنها أبداً ما هى ؟
قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ الذاريات 56 -57
هذه هى الغاية التي من أجلها خلقت ، ... ورد في الأثر الإلهي عن رب العزة أنه قال (( .. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا..يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما نقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ) (10)
وقال جل وعلا وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فاعرف الغاية .
والعبادة لا تقتصر على الصلاة والزكاة والصيام والحج ، بل إن العبادة إسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
وأخيراً: ففروا إلى الله
والفرار نوعان: فرار السعداء وفرار الأشقياء
وفرار السعداء: هو الفرار إلى الله .
وفرار الأشقياء: هو الفرار من الله
ومع ذلك فلن تفر منه أبدلً فلا ملجأ منه إلا إليه !! أين تذهبون ؟!
يا نفس قد أزف الرحيل ... وأظلَك الخَطْبُ الجليلٌ ...
فتأهبي يا نفسٌ لا يلعب ... بكِ الأمل الطويلُ ...
فلتنزلن بمنزلٍ ... ينسى الخليل به الخليلُ ...