ألم يقل الحق جل وعلاَ: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب الطلاق:2
ألم يقل الحق جل وعلاَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ الأعراف:96
ألم يقل الحق جل وعلاَ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ما لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا نوح:10
ما لكم لا توحدون الله حق توحيده؟! ما لكم لا تعبدون الله حق عبادته ؟! ما لكم لا تعرفون الله حق معرفته ؟! ما لكم لا تجلَون الله حق جلالته ؟!!
وقد حذر الله جل وعلا من التهالك على الدنيا والغفلة عن الآخرة تحذيراً شديداً فقال سبحانه: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
شغلتكم الدنيا وصرفكم نعيمها الزائل فلم تنتبهوا إلا وأنتم في المقابر قد عاينتم الحقائق كلها .
وفي التعبير القرآني بكلمة زرتم إشارة لطيفةُ إلى أن الميت في قبره ما هو إلا زائر وحتماً ستنهي مدة هذه الزيارة ولو طالت ليخرج هذا الزائر من القبر ليرجع مرة أخرى إلى الله جل وعلا ليقف بين يديه ليرى ما قدمت يداه في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى .
قال تعالى وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف: 45 - 49
تذكر وقوفوك يوم العرض عُريانا ... مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا ...
والنار تلهبُ من غيظ ومن حنقٍ ... على العصاة ِ ورب العرش غضبانا ...
إقرأ كتابك يا عبدُ على مهلً ... فهل ترى حرفاً غير ما كانا ...
فلما قرأت ولم تنكر قراءته ... وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا ...
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ... وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا ...
المشركون غدا في النار يلتهبون ... والموحدون بدار الخلد سكانا ...
قال تعالى إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يونس: 7
هل سمعت هذه الآية؟ هذا قرآن يتلى !
من رضى بالدنيا واطمأن بها ولها ، محالُ أن يرجوا لقاء الله ... محالُ أن يفكر في لقاء الله .. لماذا؟!
لأته رضى بالحياة الدنيا واطمأن بها .. عمَرَ دنياه وخرَب أخراه !!
فهو يكره أن بنتقل من العمران إلى الخراب .
هل يقبل أحد منا أن يترك العمارة والعمران لينتقل ليعيش في الخراب والصحراء؟! مُحَال!!
عَمَرنا الدنيا وخَرًبنا الآخرة ، ولذا فنحن نخشى الموت ونكره الموت ، لأننا نكره أن ننتقل من العمران إلى الخراب .
قال تعالى إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يونس: 7
يشرب الإنسان ويَعِبُ من كؤوس الدنيا كما يشتهي ، فًيُفَرَط في أمور الآخرة ويتغافل عن كل شئ يذكره بها .. لا يفكر في الآخرة .. بل إذا سمع آية تتلى خاف وغلق أذنيه ! إذا سمع شريط محاضرة أو موعظة خاف وأغلق الكاسيت !
يخشى أن يفتضح أمام نفسه ، يخشى أن تعري نفسه أمام نفسه ، فهو لا يريد أن يسمع لله موعظة ، ولا يريد أن يسمع لله أمراً ، ولا يريد أن يجتنب لله نهياً ولا يريد أن يقف لله عز وجل عند حَدَ !!
فيا أيها الغافلون، بل ويا أيها الطائعون:
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ الحديد 20
هذا كلام ربنا جل وعلا وقد بين المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الحقائق بعد ما جلاِها وبينها لنا القرآن فالقرآن يؤكد أن من غفل عن الله ومن نسي الله أنساه الله نفسه .
قال جلا وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ *وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ الحشر 18 - 20
وقال تعالى نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ التوبة: 67
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
نسأل الله أن يستر علينا وعليكم في الدنيا والآخرة .
الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يؤكد لنا هذه المعاني أيها الأحباب ويبين لنا حقيقة الدنيا حتى لا نتخذ الدنيا غاية يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عمر بن عوف الأنصاري:
(( ما الفقر أخشى عليكم وكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسطَت على من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم ) ) (4)
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال (( إن الدنيا خضرة وحلوة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ) ) (5)
وفي سنن الترمذي أن النبي قال:
(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ) ) (6)
وفي صحيح مسلم من حديث أنس يقول رسول الله:
(( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فَيُصبْغ في النار صبغة ويقال له هل رأيت نعيماً قط ؟ فيقول لا وعزتك ما رأيت نعيماً قط ويؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة قيقال له هل رأيت بؤساً قط فيقول لا وعزتك ما رأيت يؤساً قط ) ) (7)
الله أكبر - أنساه نعيم الجنة كل شقاء ، والآخر أنساه العذاب والجحيم كل نعيم !!