فهرس الكتاب

الصفحة 9767 من 9994

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر" (7)

قال أهل العلم: أي الآن قد كمل إيمانك يا عمر .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال الإمام الخطابي:"حب الإنسان لنفسه طبع ، وحب الإنسان لغيره إختيار بتوسط الأسباب".

أي أنا أحبك لأسباب وأنت تحبني لأسباب ، أما حبك لنفسك وحبي لنفسي فهذه جِبِلًة طبيعية .

يقول:"وما طلب النبي من عمر حب الطبع بل أراد منه إلا حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جبلت عليه".

أراد النبي أن يلفت نظر عمر إلى أن الله عز وجل قد منَ على عمر فنجاه من النار لمَا أرسل له المصطفى صلى الله عليه وسلم المختار .

وكن هناك فرق بين حب يدور على الإتباع وبين غلوٍ يدور على الإبتداع .

ففي البخاري من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله" (8)

قال الحافظ بن حجر: الإطراء: هو المدح بالباطل والكذب .

فلا إطراء ولا غلو .

والحق أن الغلو في رسول الله قد بلغ عند بعض مدعى المحبة حداً خطيراً فخلعوا على رسول الله صفات ومنحوه خصائص الربوبية

كهذا الذي جعل رسول الله وحده ملاذه وملجأه إذا نزلت به الشدائد فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم مخاطباً المصطفى صلى الله عليه وسلم:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم

ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم

فإن جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (9) .

ويقول آخر: فشأن محمد في جميع تصرفاته هو شأن الله تعالى فليس لمحمدٍ من محمدٍ شئ ولذلك كان نوراً ذاتياً من عين ذات الله (10) .

وهذه الشطحات كثيرة وجداً ولا حول ولا قوة إلا بالله

ونقول لهؤلاء: تعالوا بنا لنتعرف على الحب الحقيقي ... الحب الصادق .

فهذا هو المغيرة بن شعبة يقف ليظلل على رأس النبي من الشمس في الحديبة فجاء عروة بن مسعود الثقفي رسولا من قبل قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية .

وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي وكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ضرب يده بنعل السيف، وقال:أَخرَ يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم (11)

يبقي أن تعلم أن المغيرة بن شعبة أبن أخي عروة !!

هذا هو الحب الصادق .

وتخيل معي مشهد أبو دجانة في غزوة أحد وهو يترس على رسول الله ، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك .

وتدبر معي مشهد طلحة وهو يقاتل أمام النبي يمنه ويسره وتترس مع النبي بترس واحد .

ففي البخاري من حديث قيس بن حازم ، قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي يوم أحد" (12) هذا هو الحب."

لذلك استحق طلحة هذا الوسام العالي من سيد الناس محمد .

ففي سنن الترمذي أن الحبيب النبي قال:"من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة" (13)

وهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يسور نفسه بين يدي رسول الله ويرفع صدره ليقيه من سهام العدو .

عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس على النبي محمد ،وأبو طلحة بين يديه موجب عليه بجحفة له ، وكان رجلاً رامياً شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلات ، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل ، فيقول انثرها لأبي طلحة ،قال ويشرف النبي ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك يا رسول الله (14) .

أحبتي في الله

هذا هو الحب الصادق: انهم جًسًدوا الحب إلى واقع...إلى عمل...ليس الحب كلمة تقال .

إننا نرى أعظم احتفاء بالنبي قولة الصديق يوم أن اتهم المشركون رسول الله قولة الصديق يوم أن اتهم المشركون بالكذب ليلة الإسراء فرد الصديق بقوله:إن كان محمد قد قال ذلك فقد صدق (15) .

هذا هو الاحتفاء

نرى أن الاحتفاء الحقيقي في قولة لفاروق الأمة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: ألسنا على الحق؟!فيقول: بلى ، فيقول عمر: أليسوا على الباطل ؟ فيقول:بلى .فيقول عمر:فلم نعطي الدنية في ديننا ؟! (16) هذا هو الاحتفاء .

نرى الإحتفاء الحقيقي يوم أن ارتقى النبي المنبر وحث الناس على الصدقة لتجهيز جيش العُسرة .

فجاء عثمان ، فقال:يا رسول الله عَلَىَ مائة بعير بأخلاسها وأقتابها في سبيل الله ، ثم حض النبي على الجيش ، فقام عثمان فقال يا رسول الله عَلَىَ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ، ثم حض على الجيش ، فقام عثمان فقال:علىَ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله من على المنبر وهو يقول:

"ما على عثمان ما فعل بعد هذه ، ما على عثمان ما فعل بعد هذه" (17)

هذا هو الاحتفاء

نرى الاحتفاء الحقيقي يوم أن نام علىُ في فراش النبي ليلة الهجرة وهو يعلم أنه إلى فناء ! ولم لا .. فليفني علىُ وليبقى حامل لواء الدعوة الحبيب النبي .

هذا هو الإحتفاء .

فإن أرادت الأمة أن تحتفي بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فلتتبرأ من الشرك.. ولتحقق التوحيد..وتحكَم شريعة النبي ..وتوالى الله ورسوله والمؤمنين.. فلتحقق من جديد مبدأ السمع والطاعة لتسمع أمر ربها وأمر نبيها بلا تردد ولا انحراف.. ثم تنقب عن مكانة النبي في قلبها ورحم الله من قال:

من يدعي حب النبي ولم يفد ... من هديه فسفاهةٌ وهراء

فالحب أول شرطه وفروضه ... إذا كان صدقاً طاعةُ ووفاءُ

نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا وإياكم على حوض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

(1) رواه البخاري10/461-452 في الأدب ، باب علامة حب الله عزوجل ، ومسلم رقم2640 في البر والصلة ، باب المرء مع من أحب .

(2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (787) وابن ماجة (2117) وأحمد (1/214-294-283-247) وحسنه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (139) .

(3) رواه الترمذي رقم (3094) في التفسير ، باب من سورة براءة ، وأخرجه ابن جرير رقم (166331) ، (16632) ، (16633) وأورده السيوطي في الدر المنثور (3/230) وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد:وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والطبراني.

(4) رواه مسلم رقم (125) في كتاب الإيمان / باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكِلف إلا ما يطاق .

(5) رواه أبو داود رقم (4604) في السنة:باب لزوم السنة ، والترمذي رقم (2666) في العلم: باب رقم (60) وقال:هذا حديث حسن ، وأخرجه أحمد في المسند (4/130-132) وابن ماجة رقم 12 في المقدمة باب تعظيم حديث رسول الله .

(6) رواه البخاري في الإيمان1/55، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم من الإيمان،ومسلم رقم (44) في الإيمان باب وجوب محبة رسول الله، والنسائي في الإيمان أيضاً (8/114-115) باب علامة الإيمان وأخرجه بن ماجة في المقدمة رقم (167) .

(7) رواه البخاري في كتاب الإيمان والنذور (6632) :باب كيف كانت يمين النبي .

(8) رواه البخاري (6/354-355) في الأنبياء ،باب قوله تعالى (( واذكر في الكتاب مريم ) ).

(9) ديوان البوصيري تحقيق محمد سيد الكيلاني ص:200ط:الحلبي .

(10) النغمات المقدسية في شرح الصلوات المحمدية الإدريسية محمد بهاء الدين البيطار.ط دار الجبل بيروت ص"9 ."

(11) رواه البخاري رقم (2731-2732) في الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب ،وكتابة الشروط .

(12) رواه البخاري رقم (3724 ) في فضائل الصحابة باب ذكر طلحة بن عبيد الله ، وفي المغازي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت