فهرس الكتاب

الصفحة 9741 من 9994

لابد من تحقيق مناط الدليل حتى لا نستشهد بالدليل في غير موضعه ، وتحدث من المشاكل ما نحن في غنى عنها بدعوى أن الدليل قد صح وقد فعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك.

هذا حق لكنه لم يحقق مناط الدليل في المسألة ؛ إذ كلام الطحاوى يحمل نهى الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى في نعليه ما لم ير فيهما أذى.

الشيخ ناصر رحمه الله تعالى يستبعد احتمال الإمام الطحاوى رحمه الله تعالى. وجزم ابن حزم أيضا ببطلان هذا الاحتمال. الشيخ ناصر يقول: والأقرب أن النهى عن لبس النعال والمشى بها بين القبور. من باب احترام الموتى فهو كالنهى عن الجلوس على القبر.

والحقيقة أنا أقول بأنه ليس كالنهى في الجلوس على القبر ، ليس المشى بين القبور كما قال شيخنا الشيخ ناصر رحمه الله كالجلوس على القبر لماذا ؟ لأنه قد ثبت في الجلوس على القبر وعيد شديد ؛ بدليل من كلام النبى صلى الله عليه وسلم لم يثبت هذا الوعيد أبدا أو لم يثبت وعيد قريب منه في المشى بين القبور ؛ ولذا فأنا أخالف شيخنا رحمه الله تعالى في قوله: والأقرب النهى من باب احترام الموتى كالنهى عن الجلوس على القبر.

وسأذكر الآن حديثا فيه وعيد شديد من النبى صلى الله عليه وسلم في الجلوس على القبر لم يثبت مثل أو قريب منه في المشى بين القبور ، وقد شرح الأمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في تهذيب السنن هذه المسألة ، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: حديث بشير إسناده جيد ذهب إليه إلا إنه من علة.

وقد ثبت أن الأمام أحمد - رحمه الله - كان يعمل بهذا الحديث فقال أبو داود في مسائله: رأيت أحمد - رحمة الله عليه - إذا تبع جنازة فقرب من المقابر خلع نعليه قال: فرحمة الله ما كان اتبعه للسنة صلى الله وسلم وبارك على صاحبها ورحم الله الإمام أمام أهل السنة. إذا فالنهى للكراهة والله تعالى أعلم.

أيضا لا يشرع وضع الورد والرياحين والخضرة على القبور ؛ لأنه ليس من فعل السلف الصالح - رضى الله عنهم - كما هو مشهور الآن بين المسلمين ، وقد قال عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة .. كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة .. هذا أثر جميل رواه ابن بطة فى"الإبانة"عن أصول الديانة ، ورواه اللالكائى في السنة موقوفاً بإسناد صحيح عن ابن عمر - رضى الله عنهما - فلم يثبت عن السلف فعل ذلك .. ويحتج بعضهم أن النبى صلى الله عليه وسلم مر على قبرين وأمر أن يأتى بعض الصحابة بجريد من النخيل وشقه شقين ووضعهما على القبرين وقال

"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"لعله يخفف عنهما مالم ييبسا.

الإمام العلامة الشيخ أحمد شاكر - رحمة الله عليه - يقول: وقد ازداد العامة إصرارا على هذا العمل الذى لا أصل له ، وغلوا فيه خصوصا في بلاد مصر تقليدا للنصارى ، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم ومجاملة للأحياء وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونهم الجندى المجهول ويضعون عليه الزهر وبعضهم يضع الزهور الصناعية التى لا نداوة فيها تقليدا للإفرنج ، وإتباعا لسنن من قبلهم ، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء من أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم.

ولقد عملت أن أكثر الأوقاف التى تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذى يوضع على القبور ، وكل هذه بدع ومنكرات لا اصل لها في الدين ولا سند لها من الكتاب والسنة ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا.

الحديث الذى ذكرت الآن حديث في صحيح مسلم وفيه أنه قال:"إنى مررت بقبرين يعذبان"- انتبه لتعرف لم يضع النبى صلى الله عليه وسلم الخضرة على كل القبور. لماذا اختار قبرين ؟ - هذه علة. ثم من الذى اطلع النبى صلى الله عليه وسلم على عذاب هذين القبرين ؟ هو الله عز وجل وهذا أمر لا يعلمه إلا النبى صلى الله عليه وسلم فهو أمر خاص برسول الله ؛ إذ أنه علم أن صاحبى القبرين يعذبان وأمر بوضع جريد النخل على القبرين فقط دون سائر القبور ، ثم ليست العلة على الإطلاق في اليبس كما ذكر بعض أهل العلم في حديث ابن عباس - رضى الله عنهما - وإنما هى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم في أن يخفف الله العذاب عن صاحبى القبرين قال: هذا صريح حديث:"إنى مررت بقبرين يعذبان"- وحديث جابر جميل - والحديث في صحيح مسلم وفيه قال:"إنى مررت بقبرين يعذبان"تَدَبْر"فأحببت بشفاعتى أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين"، وكأن الوقت الذى أذن الله عز وجل فيه للمصطفى أن يشفع فيهما للتخفيف عنهما من العذاب هو وقت رطب الغصنين.

قال: فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته ودعائه لهما لا بسبب النداوة ، وسواء كانت قصة جابر هذه هى عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العينى وغيره أو غيرهما كما رجحه الحافظ ابن حجر في الفتح قال: وفى حديث ابن عباس نفسه يشير إلى أن السر ليس في النداوة أو بالأحرى ليست هى السبب في تخفيف العذاب.

وذلك قوله:"ثم دعى بعسيب فشقه اثنين يعنى طولا"، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبس العسيب بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق ويبس العسيب بسرعة فلو كانت هى العلة لأبقاه بدون شق ولوضع على كل قبر من قبور المسلمين عسيبا أو نصف عسيب على الأقل ، فإذا لم يفعل ذلك دل على أن النداوة ليست هى السبب في تخفيف العذاب وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذى أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه كما هو مصرح به في حديث جابر.

وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها هذا كلام نفيس جدا إذن الأصل: هو شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فالراجح من أقوال جمهور أهل العلم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح أن وضع الجريد على القبر إنما هو فعل خاص بالنبى ، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ودعائه لهم.

وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من الصحابة ولا لأحد من الأمة ، لأن الإطلاع على عذاب القبر من خصوصيات المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو من الغيب الذى لا يطلع الله عليه أحدا إلا من أرتضى من رسول كما قال تعالى: ] عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ[

[الجن: 26 ، 27]

فالمسألة خاصة بالنبى بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم كان بين المقابر لم يضع الخضرة إلا على قبرين اثنين ولم يضع الخضرة على سائر القبور.

أيضا من المسائل المتعلقة بالمقابر أنه يحرم الذبح عند القبر

هناك عادة خبيثة جدا لا زالت موجودة أيضا وهى الذبح تحت النعش أثناء الخروج من الدار ، إذا وضع الميت في النعش أو حمل على الخشبة يذبحون تحت النعش هذا يسمى عقرا، والنبى يقول:"لا عقر في الإسلام" ( [1] ) ، والحديث أخرجه أبو داود والبيهقى وأحمد بسند صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت