فهرس الكتاب

الصفحة 9733 من 9994

فى موضع بين الجنة والنار على صورة كبش أملح ، والكبش الأملح: هو الذى كثر بياضه أو هو الأبيض بياضا كاملاً يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح في موضع بين الجنة والنار ، وينادى على أهل الجنة وينادى على أهل النار ويقال لهم: هلى تعرفون هذا ؛ فيقولون: نعم نعرفه هذا هو الموت فيؤمر بذبحه فيذبح الموت ، في صورة هذا الكبش الأملح ، في موضع بين الجنة والنار ثم ينادى على أهل الجنة يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ( [1] ) .. الله أكبر يا أهل الجنة خلود فلا موت خلود في هذا النعيم ، هنيئاً لكم بجنة ربكم هنيئاً لكم بما أعد الله لكم ، يا أولياء الله يا أصفياء الله هنيئاً لكم بهذه الكرامة خلود في هذا النعيم ابد الآبدين ، ويا أهل النار يا أهل النار خلود فلا موت .. هذا من موجبات الحسرة يوم القيامة يا عباد الله. ومن موجبات الحسرة يوم القيامة أيضاً ] إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ [ أى: إذا ما استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قبل ذلك تنخلع القلوب حينما يروا جنهم على حقيقتها ، وعلى طبيعتها لأول مرة وهم في أرض المحشر ويأمر الله جل وعلا فيؤتى بجهنم ، لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك كما ورد في الحديث الذى رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [ الفجر: 23 ، 24 ] يا ليتنى حافظت على الصلوات ، يا ليتنى وحدتُ ربَّ الأرض والسموات ، يا ليتنى عبدت الله جل وعلا ، يا ليتنى صمت النهار ، يا ليتنى قمت الليل ، يا ليتنى ما عصيت الله ، يا ليتنى ما انشغلت بالشهوات ، يا ليتنى ما انشغلت بالشبهات ، يا ليتنى يوم لا ينفع الندم إنه يوم الحسرة والندامة ، يوم لا ينفع التحسر ، يوم لا ينفع الندم فإذا ما رأوها لا يبقى ملك ولا يبقى نبى ولا يبقى صديق إلا خر على ركبتيه في أرض المحشر لهو ما رأى ] وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [ [ الجاثية: 28 ] فإذا ما رأوا هذا الهول وهذا المنظر الذى يخلع القلوب والأفئدة اضطربت الجوارح واضطربت الأفئدة وفزع الجميع فإذا ما انتهى الحساب واستقر أهل الجنة وأهل النار في النار يبدأ هذا الحوار بين أهل الجنة وأهل النار وربما سأل سائل كيف يسمع أهل الجنة أهل النار ، وكيف يسمع أهل النار أهل الجنة نقول ألم نقل لكم في اللقاء الماضى: إن الله جل وعلا سيبدل كل شئ وسيحول كل شئ حتى سمع أى إنسان أى شئ ويرى أى شئ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ مريم: 38 ]

تغير كل شئ فبصرك اليوم حديد ، يبدأ هذا الحوار فيبدأ به أهل الجنة وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ [ الأعراف: 44 ] ينادى أهل الجنة على أهل النار وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ جواب قاطع مختصر فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ الأعراف: 44 ] ويستمر الحوار بين أهل الجنة وأهل النار وبعد بضع آيات في سورة الأعراف ينتهى هذا الحوار بتلهف واستغاثة واستجداء من أهل النار لأهل الجنة

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [ الأعراف: 50 ] هذه هى الاستغاثة يا أهل الجنة أفيضوا علينا شيئا من الماء ، أشتد بنا العطش في هذه النيران المتأججة يا أهل الجنة.

ويأتى الجواب الذى يزيد تألمهم ، والذى يزيد الحسرة والهم والغم من أهل الجنة فيقولون لهم ] إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [ لقد حرم الله على الكافرين هذا في هذا اليوم ألم ينزل عليكم القرآن ؟ ألم يرسل إليكم الرسل ؟ ألم يذكركم بهذا اليوم ؟ ولكنكم تعاليتم على الله جل وعلا واستكبرتم على رسل الله واستهزأتم بالعلماء ، وأبيتم إلا أن تعاندوا الله جل وعلا إن أن تعاندوا شرع الله عز وجل ، وإذا ما أمركم الله جل وعلا استهزأتم بأوامر الله وإذا ما نهاكم رسول الله سخرتم لنهى رسول الله وإذا ما ذكركم العلماء قلتم: هؤلاء هم المتنطعون المتطرفون أبيتم إلا أن تعرضوا عن منهج الله جل وعلا هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ [ الرحمن: 60 ] كذلك لا جزاء لهذا الكفر وهذا العناد والإعراض إلا ما ترون

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً [ مريم: 39 ]

قالوا: نعم قالوا: نعم فتزداد الحسرة ويزداد التألم ، ومن موجبات الحسرة أيضاً لهؤلاء والعياذ بالله حينما تتم السعادة لأهل الجنة كما جاء في الحديث الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: ينادى الحق جل وعلا يوم القيامة على أهل الجنة ويقول لهم: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك ، والخير كله في يديك ، فيقول سبحانه: هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا إلا نرضى وقد أدخلتنا الجنة ونجيتنا من النار وبيضت وجوهنا يوم تسود الوجوه .. فيقول الله جل وعلا: فلا أعطيكم أفضل من ذلك فيقول أهل الجنة: وأى شئ افضل من ذلك ؟ فيقول جل وعلا: أحل عليكم رضوانى ، فلا اسخط عليكم بعده أبداً ( [2] )

قال أعرف الخلق بالله r كما في صحيح مسلم من حديث أبى موسى الأشعرى: إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ( [3] ) .

ولكن يوم القيامة يتبدل كل شئ ، ويتغير كل شئ فيكشف بينهم الحجاب ، فيتمتعون بالنظر إليه سبحانه عز وجل وتلا النبى صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل ] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [ [ يونس: 26 ] والحسنى: هى الجنة والزيادة: هى التمتع بالنظر إلى وجه ربنا جل وعلا ، كما يقول استاذنا ابن القيم رحمه الله تعالى: ليس نعيم الجنة في لبنها ولا في خمرها ولا في حريرها ولا في ذهبها ولا في حورها ولا في نعيمها ، لكن نعيم الجنة الحقيقى في رؤية وجه ربنا جل وعلا ، هذا هو النعيم الذى ما انشغل به أهل الجنة إلا نسوا به كل نعيم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [ القيامة: 22-25 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت