فهرس الكتاب

الصفحة 9652 من 9994

أيها المسلمون: كم تسلينا آيات القرآن بالصبر فلا نرعوي، وكم تحدثنا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ونظل بعد في حيرة من أمرنا، ليس عبثا أن يتكرر الصبر في القران وفي تسعين موضعا، كما قال الإمام أحمد رحمه الله، وقد عد لها العارفون أكثر من عشرين معنى، ليس تعليق الإمامة في الدين بالصبر واليقين إلا نموذجا لها كما قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة:24] .

فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (3) .

وعلق خصال الخير بالصبر فقال تعالى: ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون [القصص:80] .

وحكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر فقال تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر:1-3] .

وقرن الصبر بأركان الاسلام ومقامات الايمان: يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين [البقرة:153] . إنه من يتق الله ويصبر [يوسف:90] . إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [إبراهيم:5] . والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات [الأحزاب:35] .

أيها المسلمون: ومن مشكاة النبوة قبس يسلى الصابرين: يقول عليه الصلاة والسلام: (( ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر(4 ) ).

وكم هي إضاءة قوله عليه السلام: (( والصبر ضياء ) ) (5) . قال النووي رحمه الله: (والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب ) (6) . وقيل: أن عاقبة الصبر ضياء في ظلمة القبر، فيصبره على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا، جازاه الله بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته) (7) .

وهل علمت أن الصبر من أعلى درجات الايمان .. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أى الايمان أفضل؟ قال: الصبر والسماحة ) ) (8) .

وعلق عليه ابن القيم بقوله: (وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا، وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى أخرها، فان النفس يراد منها شيئان: بذل ما أمرت به وإعطاؤه، فالحامل عليه السماحة، وترك ما نهيت عنه، والبعد عنه، فالحامل عليه الصبر) (9) .

أجل لقد كان في وصية النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما: (( واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ) ) (10) .

يا أخا الاسلام، وعرف السلف للصبر مكانته وقدره، فقال علي رضي الله عنه: (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - فإذا انقطع الرأس بان الجسد - ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له) (11) .

وقال عمر بن عبد العزيز يرحمه الله:(ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعو

ضه مكانها الصبر، ما عوضه خيرا مما انتزعه) (12) .

وتمثل بعضهم:

صبرت فكان الصبر خير مغبة ……وهل جزع يجدي علي فاجزع

…ملكت دموع العين حتى رددتها …إلى ناظري فالعين في القلب تدمع (13)

اللهم اجعلنا ممن اذا أعطي شكر، واذا ابتلي صبر، واذا أذنب استغفر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة:155] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه . . . الخ.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا ظاهرا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قدوة الصابرين، وإمام المجاهدين، وخير البرية أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى آله المؤمنين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: ويرد السؤال: ماهي حقيقة الصبر؟ ومتى ومن يحتاج إليه؟ وقد قيل: الصبر ثبات باعثه العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة.

وهذا يعني أن الصبر ناتج عن العقل والدين، وأن الجزع والخور سائقهما الهوى والشهوة.

سئل الجنيد عن الصبر فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس) (14) .

هو باختصار كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل (15) .

الصبر سيد الاخلاق، وبه ترتبط مقامات الدين، فما من خلق فاضل إلا ويمر بقنطرة من الصبر، وإن تحول إلى اسم اخر، إن كان صبرا عن شهوة فرج محرمة سمي عفة، وإن كان عن فضول عيش سمي زهدا، وإن كان عن دواعي غضب سمي حلما، وان كان صبرا عن دواعي الفرار والهرب سمى شجاعة، وإن كان عن دواعي الانتقام سمي عفوا، وإن كان عن أجابة داعي الإمساك والبخل سمي جودا.. وهكذا بقية الأخلاق فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله (الصبر) فأكرم به من خلق، وما أوسع معناه، وأعظم حقيقته (16) .

والصبر ملازم للانسان في حياته كلها، وفي حال فعل الطاعات أو ترك المعاصي، وحين نزول البلاء.

قال السعدي يرحمه الله: فالصبر هو المعرفة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، وخصوصا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر وتجرع المرارة الشاقة، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها، وهي في محل قدرة العبد، وكذلك البلاء الشاق خصوصا إن استمر، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية ويوجد مقتضاها، وهو التسخط إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله والتوكل عليه (17) .

أيها المسلمون: ويظن بعض الناس أن الصبر يحتاج إليه في وقت الضراء فحسب، والعارفون يرون الصبر في حال السراء أشد، قال بعض السلف: (البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون) . وقال عبدالرحمن بن عوف رضى الله عنه: (ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر) . (18)

ويقول ابن القيم رحمه الله: وإنما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره. (19)

والصبر في حال السراء والضراء يرشدك إلى اقتران الصبر والشكر وحاجتك إلى كليهما، قال بعض الائمة: (الصبر يستلزم الشكر ولايتم إلا به، وبالعكس، فمتى ذهب أحدهما ذهب الاخر، فمن كان في نعمة ففرضه الشكر والصبر، أما الشكر فواضح، وأما الصبر فعن المعصية، ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر، أما الصبر فواضح وأما الشكر فالقيام بحق الله عليه في تلك البلية، فإن لله على العبد عبودية في البلاء، كما له عبودية في النعماء) (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت