صورة أخري إننا نغفل أو نتغافل فنتكلم في المجالس ونذكر العشرات بأسمائهم فإذا ذكرنا مذكر أو حذرنا غيور بأن هذه غيبة قلنا: هذا حق وما قلنا فيه صحيح وقد يسرد لك الأدلة والبراهين على ما يقول فيزيد الطين بلة فيا سبحان الله أليس النص واضح وصريح ألم يقل الصحابي لرسول الله صلي اله عليه وسلم:"أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"والحديث أخرجه مسلم في صحيحه إذاً فلا مفر فإن كان ما ذكرته صحيحا فهذه هي الغيبة وإن كان ما ذكرته كذبا فهو ظلم وبهتان فكلا الأمرين ليس لك خيار، فأمسك عليك لسانك، فعن [أنس بن مالك] ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"والحديث أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وإسناده صحيح ، وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها أنها ذكرت امرأة ـ اسمعي أيتها المسلمة اسمعي يا من في قلبك خوف من الله عز وجل ـ عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت أنها ذكرت امرأة فقالت: أنها قصيرة، وفي رواية أنها أشارت إشارة أنها قصيرة فقال النبي ـ صلي الله عليه وسلم:"اغتبتيها"وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم:"اغتبتها"والحديث أيضا عند أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده وغيرهما وهو صحيح إذا ما بال نسائنا اليوم يجلسن في المجلس فيعرضن لعشرات من النساء فلانة وعلانة وتلك فيها والأخرى فيها وهكذا ألا يخشين الله عز وجل؟ ألا يخفن يوم أن تقف المرأة أمام الله عز وجل فيسألها عن قولها، يا سبحان الله ألهذا الحد وصلت الغفلة في نساء المسلمين!!! أن يغفلن أن مثل هذا القول سيجزين عليه أمام الله سبحانه وتعالى!!! تذكري وقوفك بين يدي الله عز وجل، احرصي أيتها المسلمة لنحرص على أنفسنا إننا ابتلينا بقلة الأعمال الصالحة في مثل هذا الزمن وابتلينا بكثرة الذنوب والتقصير في حق أنفسنا وفي حق ربنا أيها الأحبة فلماذا إذاً نزيد الطين بلة ونجمع على ذلك ذنوب الآخرين في غيبتهم وتنقصهم وغير ذلك وليس معنى هذا السكوت عن الأخطاء إنني لا أطالب أن نسكت عن أخطاء الآخرين أو حتى نتغاضى عن العصاة والفاسقين والمجاهرين وليس معنى ذلك ألا نحذر منهم وألا نفضحهم ، لا بل هذه أمور كلها مطالبون فيها شرعا هذه مطالب شرعية ولكن بالمنهج الشرعي، وبالقواعد العلمية كما جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولكني على يقين أن أكثر ما يقال في مجالسنا لمجرد التحدث والتفكه وربما الهوى وأحقاد وأضغان عافانا الله وإياكم منها ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم، صورة أخرى قلت لبعض إخواني الزم الأدب وفارق الهوى والغضب أو أمسك عليك لسانك وابك على خطيئتك وانظر لحالك وردد ما ذكرته لك على أمثالك وقد كنت سمعت منه قيلا وقالا وجرحا وسلبا وهمزا ولمزا في أناس ما سمعنا عنهم إلا خيرا وهم من أهل الفضل فما رأيناهم إلا يعملون الخير ويدعون له ويسعون للبر وينهون عن الإثم فما استجاب لي وما سمع مني فرأيت أن ألزم الصمت معهم وفيهم ولهم وعليهم فأقبلت على واجباتي أيما إقبال، وأرحت قلبي من الأحقاد والأغلال وذهني من الهواجس والأفكار ثم جاء بعض الفضلاء وقال: يقولون فيك كيت وكيت فيعلم الله ما التفتُّ إليهم ولا تأذيت وقلت لهم: رُبَّ كلام جوابه السكوت ورُبَّ سكوت أبلغ من كلام وعلمتني الحياة أن الصفح الجميل من أحسن الشيم .
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ...
... إن الجواب لباب الشر مفتاح
الصمت عن جاهل أو أحمق شرف ...
أيضا وفيه لصون العرض إصلاح
أما ترى الأُسْدَ تخشى وهي صامتة
والكلب يخشى لعمري وهو نباح
ونقل [ الإمام الشاطبي] عن [أبي حامد الغزالي] رحمة الله عليهما كلاما متينا يغفل عنه بعض الناس فقال: أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ، انتهى كلامه رحمه الله من كتاب الاعتصام للشاطبي . صورة أخرى من صور الواقع مع اللسان في مجالسنا اليوم جلس مع صاحب له أو أصحاب فتكلموا وخاضوا، ولم يكن لهم من الأمر شيء إلا أنه شريك في المجلس ومن باب المشاركة قالها كلمة أو كليمات لم يحسب لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع ثم يهز رأسه علامة للرضا ثم قالها، لم يظن أنه يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب فعن أبي هريرة رضي الله عنه كما في الحديث الذي أسلفناه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب"اسمع للنصوص الشرعية واستجب لها فإن فيها حياتك ونجاتك فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما يتبين أي: لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر فيها ولا في عواقبها ولا يظن أنها ستؤثر شيئا وهو من نحو قوله تعالى (ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) هكذا يلقي بعض الناس هذه الكلمات فيا أخي الكريم انتبه للسانك، إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة فأمسك عليك لسانك. صورة أيضا أخرى كثير من الجلساء إذا ذكر له صديقه أثنى عليه ولو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء وإذا ذكر له خصمه ذمه ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول، فيا أيها المؤمن أسألك بالله هل تستطيع أن تذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليك عند الحاجة الشرعية لذلك؟ اسأل نفسك، وهل تستطيع أن تثني بصدق على إنسان تختلف معه في بعض الأمور؟ أنا لا أريد الإجابة ولكن الواقع يشهد أن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ويجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم فإن من أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمك، نعم لأن الناس يطلبونها فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها لا بل الأمر أدهى من ذلك وأشد فإن الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة وننسى القاعدة الشرعية إذا كان الماء قُلَّتَين لم يحمل الخبث أفلا نتقى الله عند الجرح والتعديل وننزل الناس منازلهم أليس قد أثنى صلى الله عليه وسلم على [النجاشي] ووصفه بأنه ملك لا يظلم عنده أحد مع أنه حينها أي النجاشي كان كافراً لم يسلم ، فيا أيها المحب أسمعت رعاك الله أنصف الناس وأنصف نفسك فإن غلب عليك الهوى فأمسك عليك لسانك لا أبا لك . صورة أخرى تناظر اثنان في مجلس أي تجادلاً وتناقشاً فارتفعت أصواتهما وانتفخت أوداجهما وتقاذفا بالسب والشتائم قلت: إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً هذه القاعدة في رأسك يا أيها الحبيب .. ولكن كم من هادئ عف اللسان حليم كاظم للغيظ أقدر على نصرة الحق من غيره وقد قال [أبو عثمان بن الإمام الشافعي] رحمة الله عليهما أجمعين ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول:
إذا ما كنت ذا فضل وعلم
بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكون
حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنان
من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك واللجوج ومن يرائي
بأني قد غلبت ومن يفاخر