وهذه مشاعر متصدق صائم قائم قال فيها: في رمضان الصدقة لها طعم خاص ولذة عجيبة ولا غرو فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، أخذت عهداً على نفسي ألا يمر يوم من رمضان إلا ولي فيه نصيب من الصدقة والإحسان فقليل دائم خير من كثير منقطع وبعد صولات وجولات بين بيوت الأرامل واليتامى والفقراء والمحتاجين لا يعلم بي أحد إلا الله شعرت برقة في قلبي ولذة عجيبة في نفسي فعرفت حقيقة الصيام وأحسست بقرصة الجوع ولذة الحرمان وقفت على أرملة لها صبية صغار وبيت بالإيجار ودموع غزار ربما عبث الهم بقلبها ففضلت الموت على الحياة أو سلكت طريقة البغاة عندها تبين لي قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"القائم على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله"أو"القائم الليل الصائم النهار"كما في البخاري ومسلم وجلست مع اليتيم فنظرت في عينيه فكأنه يسألني عن أبويه ولماذا هو ليس كغيره من الصغار معهم الألعاب والحلوى والطعام وهل سأشتري له ثوباً جديداً ليلبسه في العيد فمسحت بيدي على رأس اليتيم فإذا بقلبي يلين ودمعي يسيل تذكرت قول الحبيب صلى الله عليه وسلم في المسند من حديث أبى هريرة"أن رجلاً شكا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسوة قلبه فقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أردت تليين قلبك فأطعم المسكين وامسح على رأس اليتيم"
هكذا رمضان فهو مدرسة يستثير الشفقة ويحث على الصدقة وهو شهر يعلمنا الجود والإحسان ليس فقط في رمضان بل والله على الدوام (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)
حدثني أحد الاخوة بكلام عجيب كان له وقع في نفسي قال إنه قرأ [ للشعبي] ـ رحمه الله ـ كلاماً جميلاً قال فيه من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه فما تركت بعدها الصدقة فما تركت الصدقة بعدها فأنا الفقير وأنا المحتاج نعم والله أنا الفقير وأنا المحتاج أنا الفقير إلى عفو ربي وأنا المحتاج إلى غفران الله جل وعلا لنفسي كان [ابن عمر] يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة وجاء سائلا إلى [الأمام أحمد] فدفع إليه رغيفين كان يعدهم لفطره ثم نام جائعاً ثم أصبح صائماً ، عائشة ـ رضي الله عنه ـ أم المؤمنين أنفقت في يوم واحد مائة ألف درهم وهى صائمة فقالت لها خادمتها لو أبقيت لنا ما نفطر به اليوم فقالت عائشة لو ذكرتني لفعلت ، لو ذكرتني لفعلت سبحان الله ما هذه الروحانية العجيبة وما هذا السمو المذهل في النفس الصائمة حتى إنها تنسى حاجاتها ومطالبها وكأنها لا تذكر إلا أمتها وحاجات الفقراء والمحتاجين ، لا إله إلا الله ، أما حديث التائبين وخاصة في شهر التوبة فهو عجيب غريب واسمع لهذا التائب في رمضان وهو يحاول أن يصف فرحته وسعادته فيقول ما أجمل رمضان وما أحسن أيامه سبحان الله كل هذه اللذة وهذه الحلاوة ولم أذق طعمها إلا هذا العام أين هي عني كل هذه السنوات إيهٍ بل أين أنا عنها فإن من تحرى الخير يُعْطَه ومن بحث عن الطريق وجده ومن أقبل على الله أعانه وسدده صدق الله صدق الله في الحديث القدسي"من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً"كما في الصحيحين سبحان الله أشعر أن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدري وأشعر بانشراح فسيح في نفسي ، أول مرة في حياتي أفهم تلك الآية التي أسمعها تقرأ في مساجدنا (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا كأنما يصعد في السماء)
أين ذلك الضيق أين ذلك الضيق وتلك الهموم التي كانت تكتم نفسي حتى أكاد أُصْرَع ، أين تلك الهواجس والأفكار والوساوس ، أين شبح الموت الذي كان يلاحقني فيفسد على المنام إنني أشعر بسرور عجيب وبصدر رحيب وبقلب لين رقيق أريد أن أبكي أريد أن أنثر الدم لا أريد أن أرفع جبيني عن الأرض أريد أن أناجي ربى وأعترف له بذنبي لقد عصيت وأذنبت وصليت وتركت وأسررت وجهرت وأبعدت وأقربت وشرقت وغربت وسمعت وشاهدت
ويح قلبي من تناسيه مقامي يوم حشري
واشتغالي عن خطايا أثقلت والله ظهري
ليتني أقبل وعظي ليتني أسمع زجري
والله لولا الحياء ممن بجواري لصرخت بأعلى صوتي
أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي
فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت
لسان حالي يقول للإمام لماذا قطعت عليَّ حلاوة المناجاة يا إمام لماذا رفعت من السجود فحرمتني من لذة الاعتراف والافتقار للواحد القهار يا إمام أريد أن أبكى فأنا لم أبك منذ أعوام ، ألا يا عين ويحك أسعفيني بطول الدمع في ظُلَمِ الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي بخير الدهر في تلك العلالي، يا إمام أسمعني القرآن فقد مللت ملاهي الشيطان يا إمام لماذا يذهب رمضان وفيه عرفنا الرحمن وأقلعنا عن الذنب والعصيان
في صيام الشهر طب ليس يدريه طبيب
فيه أسرار يعيها صائمٌ حقاً أريب
فيه غيث من صفاء ترتوي فيه القلوب
فيه للأرواح شبع دونه الكون الرحيب
صائم في دِرْعِ تَقْوَى تَنْجَلِي عنه الكروب
ما أحلاك يا رمضان وما أجملك سأستغل أيامك ولياليك بل ساعاتك وثوانيك كيف لا وقد وجدت نفسي فيك أليس في الحديث"رَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له"كما في الترمذي وقال حسن غريب
إذا هجا عن دُوَّام أسبلت عورتي
وأنشدت بيتاً وهو من ألطف الشعر
أليس من الخسران أن ليالياً
تمر بلا علم وتحسب من عمري
يا معشر العاصين لا يأس من قلب خلا وجمد وقسي وتبلد فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة ويمكن أن يشرق فيه النور ويمكن أن يخشع لذكر الله فنحن في شهر رمضان شهر التوبة والغفران شهر تصفيد الشياطين وفتح أبواب الجنان وإغلاق أبواب النيران والله يحيي الأرض بعد موتها فتنبت وتزهر.
يا معشر التائبين
تعالوا كل من حضر لنطرق بابه سحراً
ونبكى كلنا أسفا على من بات قد هجر
كيف نصنع إذا نودي للرحيل وما تأهبنا ، ألسنا الذين بارزنا بالكبائر وما راقبنا يا معشر المذنبين لنبسط لسان الاعتذار ولنظهر العجز والافتقار وليردد كل واحد منا
إلهي لئن خبت وطردتني
فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشفع
إلهي لئن أعطيت نفسي سؤلها
منها أنا في روض الندامة أرتع
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي
وأنت مناجاتي الخفية تسمع
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ
فؤادي فلي في سيب جودك مطمع
إلهي أجرني من عذابك إنني
أسير ذليلاً خائفا لك أخضع
إلهي لأن جلت وجمت خطيئتي
فعفوك من ذنبي أجل وأوسع
…. انتهى كلامه.
فقلت سبحان الله في رمضان رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين ورحم الله مبرزا بقوله اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا.