فهرس الكتاب

الصفحة 9591 من 9994

تعالى لسؤال ثالث: إنا لنرى المرأة في رمضان نراك أيتها الأخت الكريمة من بعد صلاة الظهر إلى غروب الشمس وأنت في مطبخك تقفين أمام أصناف المأكولات والمشروبات تراها بعينها وتشم روائحها المغرية بأنفها وربما ذاقت ذلك بطرف لسانها فأخرجته بحركة سريعة عجيبة سبحان الله تأملوا هذا الموقف تأمليه أيتها الأخت هي جائعة وعطشى ولوحدها لا يراها أحد من الناس فلماذا لا تمد يدها فتأكل وتشرب؟ من الذي يمنعها؟ من يردها؟ إنها حلاوة الروح حلاوة الروح بصلتها بالله بخوفها من الله فهي تعلم أن الله يراها ومطلع عليها ويعلم حالها فأي تهذيب وأي تأديب هذا الذي أحدثه الصيام في النفوس فما رأيكم أيها الصُوَّام هل عرفنا لماذا نصوم؟

إذاً فخلاصة الأمر نقول: إن تجويع البطن والفرج لبضع ساعات فيه حياة للروح فيه حياة للقلب وأنت أيها الأخ إنسان بروحك وقلبك لا ببطنك وفرجك فنحن نأكل لنعيش ولسنا نعيش لنأكل ومن ذاق حلاوة الروح وراحة القلب بان له الفرق فانكسار النفس وخلو البطن وتضييق مجارى الدم فوائد للصيام مفادها حياة الروح المتمثلة برقة القلب ولينه وخوفه وخشيته من الله جل وعلا ، وإذا ملك العبد قلباً بهذه الصفات انضبط قوله وفعله وحاله إذ لا يمكن أبداً أن يمتثل بترك هذه الشهوات الطعام والشراب والجماع وهى حلال فيتعداها إلى الحرام من كذب وظلم وغش ومشاهدة للحرام وسماع للغناء سواء كان في الليل أو النهار وسواء كان في رمضان أو غير رمضان فالذي صلى وصام وترك الشراب والطعام في رمضان لعلمه أن الله رقيب عليه مطلع عليه سيترك الحرام في غير رمضان ، في غير رمضان أيضاً لأن الله ما يزال مطلعاً عليه عليما بحاله وهنا هنا يشعر الإنسان بلذة الصيام ، هنا تشعر أيها الأخ الحبيب بلذة شهر رمضان تشعر بالمعاني الجميلة لشهر رمضان فهو يصوم لبناء ذلك السد المنيع بين النفس وشهواتها وصدق [بشر بن الحارث] بقوله لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سداً ، هذا السد هو خوف الله ومراقبته في السر والعلن هذا السد ، هذا السد الذي جعلك تمسك في رمضان تمسك عن الطعام والشراب بهذه الدقة العجيبة ، هو السد الذي جعل ذلك الرجل في غير رمضان والمرأة ذات المنصب والجمال تدعوه فيقول لها بملء فيه إني أخاف الله إني أخاف الله مع وجود المغريات فهي ذات منصب وذات جمال وهى التي تدعوه لكنها تقوى القلوب لكنها حياة الإيمان لكنه الخوف من الله الذي من أجله فرض الصيام . فأين حال هذا الرجل أين حاله من حال هؤلاء الذين لا يجدون لملاحقة النساء وبنات المسلمين لذة إلا في شهر رمضان نعوذ بالله من حال هؤلاء هدانا الله وإياهم لما فيه الحق واتباع هذا الدين ، هذا السد هو الذي جعلك تحرص على صلاة الجماعة في رمضان هذا السد الذي جعلك تحرص على صلاة الجماعة في رمضان هو السد نفسه الذي جعل تلك الصغيرة في غير رمضان تمتنع عن مزج اللبن بالماء وتقول كلمتها المشهورة إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا وهذا السد الذي جعلك أيتها المرأة المسلمة تحرصين كل الحرص على ألا يفوت لحلقك شيء عند المذاق خوفاً ومراقبة لله في رمضان هو السد المنيع الذي جعل تلك المرأة تمتنع في غير رمضان عن الوقوع في الزنا لما غاب عنها زوجها طويلاً مع جيش المسلمين وكانت تردد هذه الأبيات:

تطاول هذا الليل واسود جانبه

وأرقني ألا خليل ألاعبه

فوالله لولا الله أنى أراقبه

لَحُرِّكَ من هذا السرير جوانبه

ولكن تقوى الله عن ذا تصدني

وحفظاً لبعلي أن تنال مراكبه

قال [ابن القيم] : بالحب والخوف والرجاء يذوق المسلم حلاوة الإيمان ومن استطال الطريق ضعف مشيه انتهى كلامه رحمه الله.

إذاً فلماذا نخاف الله ونراقب الله في رمضان فنصوم ونصلي ونفعل الخير كله ونهمل بل ويترك البعض ذلك في غير رمضان عجيب أمر تلك النفوس إن الله الذي يطلع عليك في رمضان يطلع عليك في رجب وشعبان وغيرهما من الشهور فالله فرض الصيام ثلاثين يوماً تدريباً وتذكيرا للنفوس برقابة الله عليها وصدق الله لعلكم تتقون أي من أجل أن تتقون ومن لم يصم بهذه المعاني فليتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف الذكر"رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر والتعب"

أيها الراجي ثمار الصوم أعطي الصوم حقه

من خشوع واصطبار والتزام بالمشقة

وانطلاق في سبيل العيش في رفق ورقة

طارحا عن روحك المغلول بالشهوات ربقه

إن في هذا لعبد الجسم طول العام عتقه

أما القسم الثاني من هذا الدرس: مشاعر هذه الروح وهو تصوير لمشاعر وأحاسيس وروحانيات وأشجان لمن ذاق حلاوة الإيمان وطعم الصلة بالله في رمضان وعرف حقيقة الصيام وهي للجميع فلا يختص بها الرجال دون النساء ولا الكبار دون الصغار لعل الله أن ينفع بها الجميع فإن من ذاق طعم الشيء حرص عليه وتمسك به ومن ذاق طعم الإيمان بذل من أجله النفس والنفيس وقد قيدت أيها الأخوة قيدت هذه المشاعر والأحاسيس في رمضان المنصرم ، تقبل الله من صيامنا وقيامنا وحرصت يعلم الله أن أنقلها لكم ونحن نترقب حلول ضيفنا العزيز رمضان هذا العام تذكيراً وتشجيعا لنا جميعاً وخاصة أولئك المحرمون الذين لم يذوقوا لرمضان طعماً وليس له في قلوبهم حلاوة ولا أثر لا يرون في رمضان إلا جوعاً لا تتحمله أمعاؤهم وعطشاً لا تقوى عليه عروقهم فإلى هؤلاء بل لنا جميعاً أقول: تعالوا لنسمع أفراح الروح وهى تسري في القلب فتتلذذ بالصيام والقيام والصدقة وقراءة القرآن والتوبة والغفران ، تعالوا لأفراح الروح لنسمع أفراح الروح في شهر رمضان كيف تعيش تلك الروح فهذا صائم يحاول التعبير عن هذه الروحانية فيقول في نهار يوم من أيام رمضان اشتد بي الجوع فيبس اللسان وقرصت الشفتان وغارت العينان فنظرت عن يميني فإذا أصناف الطعام وعن شمالي أنواع الشراب فتذكرت قول الله في الحديث القدسي"ترك طعامه وشرابه من أجلي"فرق قلبي ودمعت عيني وانتابني شعور جميل له حلاوة وعليه طلاوة لا أستطيع وصفه ولا بيانه قلت لعله أثر من آثار الإخلاص في هذه العبادة العظيمة ،

ولكن من أنا عبد من عبيده فقير إليه ذليل بين يديه من أنا فيخاطبني وهو العظيم الجليل ذو الجبروت والملكوت ترك طعامه وشرابه من أجلي من أنا حتى يخاطبني بقوله من أجلي فتأمل قوله من أجلي رقة وشفافية عجيبة بهذه الرقة وبهذه الشفافية وبهذا الإيناس نسيت جوعي يعلم الله نسيت جوعي وتعبي فأي مشقة في الصوم في ظل هذا الود والقرب من السيد لعبده فشعرت بحرص واطمئنان ثقة ويقين بقربي من الله جل وعلا

قَلِّب فؤادك في محاسن شرعنا

تلقى جميع الحسن فيه مصورا

كم من معانٍ في صيام نبينا

نفح أرق من النسيم إذا سرى

انظر لفرق صيامهم وصيامنا

نهراً تفجر أحمديا كوثرا

فدهشت بين جماله وجلاله

وغدا لسان الحال عني مخبرا

لو أن كل الحسن أكمل صورة

ورآه كان مهللا ومكبرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت