فهرس الكتاب

الصفحة 9575 من 9994

صورة أخرى: رجل وَسَّع الله عليه بماله وحسن سمته ودماسة خلقه فهو ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر بحثت عنه عصرا من رمضان توجهت إلى محلاته فلم أجده سألت عنه فلم أجد جوابا غير أن أحد العاملين قال: ربما وجدته في الجامع دخلت الجامع فوجدت العجب وجدت الموائد ممدودة، ممدودة بالطول والعرض حتى أنك لا تجد مكاناً لموضع قدميك وفيها ما لذا وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات بحثت عن صاحبي فوجدته يصول ويجول لحظات قبل الغروب فإذا بمئات العمالة تتوافد على الجامع من كل صوب ألفاً أو يزيدون قلت: سبحان الله في الوقت الذي انشغل أهل الأموال ببيعهم وشرائهم ففي رمضان موسم تجاري لا يعوض أما هذا الرجل فهو في تجارة أخرى تجارةٍ مع الله فلم يكفه أن دفع المال في تفطير الصائمين بل وقف بنفسه وعمل بيده ولم يعتذر يوم أن دُعِي إلى الإنفاق في مشروع ثان بل وفي مشروع ثالث وربما في رابع وخامس وعاشر فيما لا نعلمه ولكن الله يعلمه عندها ذكرت حديث [أبي كبشة عمر ابن سعد الأنماري] أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول"ثلاثة أقسم عليهن فأحدثكم حديثا فاحفظوه ما نقص مال عبد من صدقه ما نقص مال عبد من صدقه"رواه [الترمذي] وقال حسن صحيح حدثت صاحبي والأُنْس والبِشْر على مُحَيَّاه يعلم الله ما فقدت الابتسامة في وجهه يوما من الأيام، الجميع يشهد له بالفضل والإحسان والورع وحسن الخلق وكثرة العبادة هكذا نحسبه ولا نُزَكِّي على الله أحدا خرجت من الجامع بصعوبة بالغة لكثرة المتوافدين من الصائمين والمتوافدين من المساكين خرجت وأنا أردد عند الغروب اللهم تقبل منه اللهم وسع عليه من ماله وولده اللهم بارك له وزده وأعطه ولا تحرمه فإن لم يكن هذا من الفائزين برمضان فمن أيها الأحبة ؟ أولئك الذين يكنزون الأموال ويقبضون أيديهم ؟عندها ذكرت قول الحبيب صلى الله عليه وسلم لـ [أسماء بنت أبي بكر] "لا توقي فيوقي الله عليك"أي: لا تمنعي ما في يدك فيقطع الله عليك مادة الرزق وذكرت قول الملكين الذين ينزلان في كل صباح فيقول أحدهما"اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا"كما في الحديث المتفق عليه، و ذكرت قول الحق عز وجل كما في الحديث القدسي"انفق يا ابن آدم ينفق عليك"وهو متفق عليه فقلت في نفسي الموفق من وفقه الله مع علمي أن هناك من تذهب نفسه حسرات أن لو كان يملك فينفق ويتصدق ولكنه لا يجد أو يجد القليل القليل فينفقه مع أنه أحوج الناس إليه وبعضهم يسمع عن هذه الفضائل فلا يجد ما يتصدق به سوى الدمعة تسيل على الخدين هل لو كان ذا مالٍ فيتصدق عند هذا تذكرت قول الحق جل وعلا (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) اللهم اجعلنا وإياهم من الفائزين برمضان ومن عتقائك من النار برحمتك يا رحيم يا رحمن.

صورة ثالثة: تصلي التراويح والقيام فتسمع آيات القرآن وتسمع الخنين والبكاء ينبعث في جنبات المسجد فيسجد المصلون فإذا بأزيز كأزيز المرجل ينبعث من الصدور، غلبهم خوف الله وخشيته فوجلت القلوب وذرفت العيون عندها تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم"لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع"رواه [الترمذي] وقال حسن صحيح0 في صلاة القيام وفي ثلث الليل الأخير يرفعون ويسجدون ويدعون ويتضرعون يبكون ويتأثرون منكسرة قلوبهم دامعة عيونهم شاحبة وجوههم هجروا الفراش ولذة النوم من أجل أي شيء ؟ طلبا لمرضاة الله طلبا لرحمة الله (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) القانتون المقنتون لربهم الناطقون بأصدق الأقوال يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة وتضرع وسؤال وعيونهم تجرى بفيض دموعهم مثل انهمال الوابل الهطال بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي إن لم يكن هؤلاء من الفائزين برمضان فمن؟ الذين ينامون أو يذهبون ويجيئون أم أولئك الذين يلعبون ويلهون اللهم لا تحرمنا أجر الصيام والقيام واجعلنا ممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا اللهم اجعلنا من الفائزين المقبولين يا رحمن .

صورة رابعة:

رأينا وسمعنا حرص بعض النساء على الصدقة ورمضان الخير يشهد للنساء بحسن السخاء والبذل والعطاء سمعت عن تلك التي جمعت رواتبها فتصدقت بها دفعة واحدة وسمعت عن تلك التي كفلت يتيما وأعطت مسكينا ووزعت شريطا وفَطَّرَتْ صائما حتى قلت في نفسي ماذا بقى لها فأجابت بلسان حالها تقول ( وما عند الله خير وأبقى ) فذكرت قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"فقلت أبشرن أيتها الصالحات فإن هذا لمن أكثرت السب واللعن ونسيت نعمة الله عز وجل عليها أما أنتي فإني أحسبك إن شاء الله من الفائزين برمضان ثُلَّة فتيات عرفت فيهن الخير كله الهاجس في نفوسهن إصلاح الأخريات ودعوتهن يسألن وبكثرة عن المواضيع والعناصر والمسائل الرمضانية المناسبة للطرح في مثل هذا الشهر يسألن وبإلحاح عن المناسب من الأشرطة والرسائل والإهداء للتوزيع انتهت المكافأة الشهرية اقترضن حتى لا ينقطع هذا الخير يا سبحان الله تركن اللباس والموديلات وآخر الصيحات وأدوات الزينة لا لعدم الرغبة فهي جِبِلَّة المرأة بل لأن هَمَّ الإصلاح والغيرة على الدين كان أكبر ولسان حالهن يقول: رمضان فرصة لا تعوض فالقلوب منكسرة والشياطين مصفدة والإيمان يزيد وعلمت أنهن يجتمعن لقراءة القرآن وبحث بعض مسائل الصيام ويحرصن على النوافل والسنن الرواتب وصلاة القيام ويقمن ببر الوالدين وصلة الأرحام وخدمة الأهل والإخوان وإعداد الطعام هذا كله بعد صلاة الفرض في وقتها والقيام بحق زوجها فنالت رضا ربها وفازت بشهرها فهنيئا لها ثم هنيئا لها الحياة يبنيها صناع كل منهم يؤثر في جانب منها ومن جد وجد وإما أنا وإما الفاسق فإن الفاسق يصنع الحياة على طريقته إن الفاسق يصنع الحياة على طريقته وكل منا له موهبة يحبها فيجب أن ينميها ويبرع فيها ويبتكر لها لكي يستطيع أن يجمع الناس حوله في تخصصه ومهارته. رمضان هذا العام رأيت إقبال الشباب والفتيات من صناع الحياة ودُلاَّل الخير ودعاة الهدى وكل منهم على خير هؤلاء يصولون ويجولون من حي إلى حي ومن مسجد إلى مسجد لإرشاد الناس وتذكيرهم حرموا أنفسهم لذة العبادة خلف إمام واحد تذهب أنفسهم حسرات لختم القرآن مرات ومرات لكن هيهات هيهات فالوقت ينصرف في البحث والاطلاع لتفسير آية أو شرح حديث أو بحث مسألة فلسان حالهم يقول رمضان فرصة للتوبة وموسم للإقبال على الله والندم على ما فات فكم من ضال فرح بكلمته وكم من جاهل اهتدى بعبارته وكم من تائب نَوَّرَ الله به بصيرته وهؤلاء قاموا على تخفيض العمالة في مسجدهم حرموا أنفسهم فرحة الإفطار مع أهلهم وأزواجهم ضاعت اللغات وتلاشت الجنسيات لا كفيل ولا مكفول (إنما المؤمنون اخوة) اخوة في توادهم اخوة في تراحمهم وتعاطفهم

وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة

فعند اللقا بالكد يصبح زائلا

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي

ويصبح ذو الأحزان فرحانا جابلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت