أولاً: الأخفياء والصدقة والقيام على الفقراء والمساكين ، خرج عمر بن الخطاب يوما في سواد الليل وحيدا حتى لا يراه أحد دخل بيتا ثم دخل بيتا آخر ورآه رجل لم يعلم عمر أن هذا الرجل رآه طلحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه فظن أن في الأمر شيئا أوجس طلحة في نفسه لماذا دخل عمر هذا البيت ولماذا وحده ولماذا في الليل ولماذا يتسلل ولماذا لا يريد أن يراه أحد ، ارتاب طلحة في الأمر والأمر عند طلحة يدعو للريبة ولما كان الصباح ذهب طلحة فدخل ذلك البيت فلم يجد إلا عجوزا عمياء مقعدة فسألها ما بال هذا الرجل يأتيك وكانت المرأة لا تعرف أن الرجل الذي يأتيها هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قالت العجوز العمياء المقعدة إنه يتعهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ويخرج الأذى عن بيتي أي يكنس بيتها ويقوم بحالها ويرعاها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ولا نعجب لا نعجب أن رئيس الدولة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يفعل ذلك فكم من المرات فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فهذه المواقف ليست عجباً في حياة عمر ولكننا نعجب من شدة إخفاء عمر لهذا العمل ، شدة إخفاء عمر لهذا العمل حتى لا يراه أحد وفي الليل وفي سواد الليل ويمشي لواذاً خشية أن يراه أحد فيفسد عليه عمله الذي هو سر بينه وبين الله ومثل ذلك صار عليه أيضا زين العابدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه [علي بن الحسين] فقد ذكر الذهبي في السير وابن الجوزي في صفة الصفوة أن عليا بن الحسين كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول"إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل"وهذا الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق كثيرة لا يخلو أو لا تخلو أساليبها من مقال ولكنها بمجموع الطرق صحيحة وقد صحح ذلك الألباني في الصحيحة وعن عمران بن ثابت قال لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سود في ظهره فقالوا ما هذا فقالوا كان يحمل جُرُب الدقيق يعني أكياس الدقيق ليلا على ظهره يعطيه الفقراء في المدينة ، يعطيه فقراء أهل المدينة ، وذكر ابن عائشة قال قال أبي سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعن محمد بن عيسى قال كان [عبد الله بن المبارك] كثير الاختلاف إلى وكان ينزل في خان أي في فندق فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث قال فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب وكان مستعجلا أي عبد الله بن المبارك فخرج في النفير أي في الجهاد فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا إنه محبوس لدين ركبه فقال عبد الله وكم مبلغ دينه فقالوا عشرة آلاف درهم فلم يزل يستقصي حتى دُلَّ على صاحب المال فدعي به ليلا ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه ألا يخبر أحداً ما دام عبد الله حيا ما دام عبد الله حيا وقال إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس وأدلج عبد الله أي سار في آخر الليل وأُخْرِجَ الفتي من الحبس وقيل له عبد الله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج فخرج الفتي في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة ، فقال يا فتي عبد الله بن المبارك يقول للفتي أين كنت ـ شف ـ عبد الله يتصانع ـ رضي الله عنه ـ أنه ما علم عن حال الفتى فقال عبد الله بن المبارك يا فتي أين كنت لم أرك في الخان قال نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوس بدين وقال وكيف كان سبب خلاصك قال جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أُخْرِجْتُ من الحبس فقال له عبد الله يا فتى احمد الله على ما وفق إليك من قضاء دينك فلم يخبر ذلك الرجل أحدا إلا بعد موت عبد الله.
والأخفياء والعبادة ؛ففي الصلاة مثلا قالت امرأة [حسان بن سنان] كان يجئ أي حسان فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم يصلي ثم يقوم فيصلي قالت فقلت له يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك كم تعذب نفسك ارفق بنفسك فقال اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا وعن [ بكر بن ماعز] قال ما رؤي الربيع متطوعا في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة وفي الصيام فمن أعجب المواقف ما ذكره الذهبي في السير قال قال الفلاس سمعت ابن أبي علي يقول صام [داود بن أبي هند] صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله لا يعلم به أهله كان خزازا يحمل معه غداءه فيتصدق به في الطريق ، فيتصدق به في الطريق وكان بعضهم إذا أصبح صائما اِدَّهَن ومسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فلا يراه أنه صائم وفي قراءة القرآن ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة عن سفيان قال أخبرتني مرية [الربيع بن خذيم] قالت كان عمل الربيع كله سرا إن كان لا يجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه إذا قدم الرجل على الربيع قام الربيع فغطى المصحف بثوبه حتى لا يري الرجل أنه يقرأ القرآن.