قال بعض السلف قرأت في بعض الكتب المنزلة يقول الله عز وجل"يؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجى غيري ويطرق بابه بالبكورات"
وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به أو من الذي رجاني لعظيم فقطعت رجاءه ومن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني أبخيل أنا فيبخلني عبدي أليست الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي فما يمنع المؤملون أن يؤملوني ولو جمعت أهل السماوات وأهل الأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع وبلغت كل واحد منهم أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة وكيف ينقص ملك أنا قيومه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني ووثب على محارمي"ذكر ذلك [ابن رجب] في نور الاقتباس والإسرائيليات يعتبر بها ولا يعتمد عليها كما يقول شيخ الإسلام [ ابن تيميه] رحمه الله ."
أيها الاخوة إن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ويحب الملحين في الدعاء بل وينادي في كل ليلة هل من سائل فأعطيه وهل من داع فأستجيب له فأين المضطرون أين أصحاب الحاجات أين من وقع في الشدائد والكربات .
معاشر الاخوة والأخوات اقرءوا وانظروا في حادث الإفك وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار وحديث المقترض الذي وضع المال في الخشبة وألقاها في البحر وحديث الثلاثة الذين خلفوا وغيرها من القصص النبوي في الصحاح والسنن فرج عنهم لسؤالهم لله وإلحاحهم بالدعاء رفعوا أيديهم إلى الله وأعلنوا الذل والخضوع لله وهذا الذل لا يصلح إلا لله لحبيبه ومولاه
ذل الفتى في الحب مكرمة وخضوعه لحبيبه شرف
فالعبودية لله عز ورفعة ولغيره ذل ومهانة وفي سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فابذله للمتكرم المفضال
كان [يحيى بن معاذ] يقول يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من قد سألك وكان [بكر المزني ] يقول من مثلك يا ابن آدم متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين فقال له أنا لا أطرق بابا مفتوحا وأذهب إلى باب مغلق هكذا فلتكن الثقة بالله والتوكل على الله وقبل الختام وحتى نصل إلى ما نريد من فن الشكوى وحسن النجوى تنبه لهذه التوجيهات:
أولا: الدعاء له آداب وشروط لا بد من تعلمها والحرص عليها واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن القيم] رحمه الله قال وإذا جمع العبد مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتا من أوقات الإجابة وخشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على رسول الله ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعاءه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة الاسم الأعظم انتهى بتصرف من الجواب الكافي لابن القيم صفحة تسعة عشر .
ثانيا:الصدقة وقد أكد عليها ابن القيم في كلامه السابق ولها أثر عجيب في قبول الدعاء بل وفعل المعروف أيا كان فصنائع المعروف تقي مصارع السوء كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) .
ثالثا: عليك بالصبر وإياك واليأس والقنوط وفي هذا توجيهات:
أولا: أعلم أن الدعاء عبادة ولو لم يتوفر لك من دعاءك إلا الأجر على هذا الدعاء بعد إخلاصك لله عز وجل فيه لكفى .
ثانيا: أن تعلم أن الله أعلم بمصلحتك منك فيعلم سبحانه أن مصلحتك بتأجيل الإجابة أو عدمها .
ثالثا: لا تجزع من عدم الإجابة فربما دفع عنك بهذا الدعاء شرا كان سينزل بك فعن [عبادة بن الصامت] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذن نكثر قال الله أكثر"رواه [الترمذي] وقال حديث حسن صحيح ورواه [الحاكم] من رواية [أبي سعيد] وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها .
رابعا: ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحان لصبرك وتحملك وجلدك هل تستمر في الدعاء وفي هذه العبادة أم تستحسر وتمل وتترك الدعاء ففي الحديث عن ]أبي هريرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل أو ما لم يعجل يقول قد دعوت ربي ولم يستجب لي"متفق عليه وفي جزء من رواية ابن مسلم قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء .
خامسا: أن تلقي باللوم على نفسك وهي من أهمها أن تلقي باللوم على نفسك فقد يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي أو التقصير أو إخلالك في الدعاء أو تعديك فيه فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك بالتقصير وتنسب عدم الإجابة لنفسك فهذا من أعظم الذل والافتقار لله، واسمع أيضا لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن رجب] رحمه الله في نور الاقتباس يقول إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أوتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ بإجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله وعلى قدر الكسر يكون الجبر انتهى كلامه رحمه الله .
رابعا: من التوجيهات الأساسية تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة قال [سلمان الفارسي] : إذا كان للرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس له دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له ذكر ذلك ابن رجب .
أيها الاخوة وأنا أتأمل في حديث الثلاثة؛ أصحاب الغار وهم يدعون ويتوسلون إلي الله بصالح أعمالهم وأخلصها لله أقول في نفسي وأفتش فيها أين ذلك العمل الصالح الخالص لله الخالي من حظوظ النفس الذي سألجأ إلى الله فيه عند الشدة فلنرجع إلى أنفسنا ولنسألها مثل هذا السؤال لنبحث في أعمالنا وعن الإخلاص لله فيها ولنكن على صلة بالله في الرخاء وصدق من قال
إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال .
خامسا: إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله تعالى وفيه اطمئنان للنفس وراحة للقلب فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وتذكر دائما أن كل شيء بقضاء وقدر وأنه من عند الله .