فهرس الكتاب

الصفحة 9519 من 9994

وهذا ناتج عن عدم تأسيس شبابنا على العلم الشرعي، ولو ربيناهم على (قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم) وقال البخاري: وقال مسلم: فإن هذا هو العمل الأصيل.

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ

ما العلم رسمك للخلاف سفاهةً بين الرسول وبين رأي فلانِِ

كان الصحابة يُنشئون جيلهم على العلم الشرعي، وكانت حلقاتهم (قال الله وقال رسوله) وفيها التفسير والفقه والحديث، أما الآن فقد أصبحت عدد حصص القرآن في الأسبوع حصة واحدة، وسمعنا أن مدرساً كان يدرس في الابتدائية، دخل على الطلاب، وهو لا يعرف القراءة في المصحف، وهو من عِداد المعلمين، فقال للطلاب: ما هي الحصة؟ قالوا: قرآن، قال: ما يحتاج، نخرج تمارين رياضية.

ما يحتاج يا مجرم؟! ما يحتاج قرآن؟! مَن أنت ومَن أُمَّتُك إلا بالقرآن؟! ما هي الرسالة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم إلا القرآن والسنة؟!

بينما داعية آخر عظم الله أجره، وهو مشهور، وله بعض المؤلفات، أُدخل في مدرسة، وكان يحمل دعوة، ويحمل رسالة، وكان مدير المدرسة يشن حرباً على الدعوة، فقال المدير للأستاذ: أنت حصتك رسم، مادة فنية. يريد أن يحجزه عن الطلاب، لا يريد أن يعطيه فقهاً ولا عقيدةً ولا تفسيراً ليدخل إلى القلوب، قال: مادة فنية؟ قال: نعم. قال: حسناً، فدخل الفصل فقال للطلاب: ما هي مادتكم؟ قالوا: مادة فنية رسم، فرسم لهم وردة أو زهرة على السبورة، ثم تكلم عمَّن خلقها وأنشأها ومن صوَّرها وأبدعها، ثم ألقى عليهم محاضرة في العقيدة حتى أبكى الطلاب.

إذاً: لا بد أن ندخل من هذه المداخل، أنا لا أقول: نترك هذه العلوم؛ لكن أن نجعل حصة واحدة للحديث، وحصة للفقه، والباقي جغرافيا وثقافة وعلم نفس وتربية! ومن هذا القبيل قائمة عريضة طويلة، فيخرج الشاب وعنده معلومات سلة مهملات، ولكن ليس عنده إيمان. هذا غير صحيح.

ب/ قلة النوافل عند الشباب.

إما أن الأساتذة لم يوجهوهم للنوافل، أو لأنهم في الأصل ما قرءوا هذا ولا تعلموه، ولذلك لا يتحدث عن قيام الليل، ولا عن صلاة الضحى، ولا عن الذكر وتدبر القرآن، فينشأ الشاب وقلبه ما اطمأن بالإيمان وما تشبَّع به، ويمكن أن يُخدع بأدنى شيء، فيرى الفتاة ويُلاحقها، ويسمع الأغنية وينهار، وربما رأى الخمر فلا يمكن أن يتغلب عقله على هواه، قد سيطر عدم التربية الروحية عليه.

جـ/ الجلساء.

أصيب مجتمع المسلمين بجلساء الله حسيبهم، فإن من أسس التربية عند المسلمين الجليس الصالح والجليس السوء.. مصاحبة هذا والانتباه لهذا، يقول ابن المبارك:

وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرمْ

قوله للشيء لا إن قلتَ لا وإذا قلتَ نعم قال نعمْ

قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وهذا الشافعي يمدح نفسه بما أعطاه الله، وهذا من باب التحدث بالنعم، يقول:

أحب الصالحين ولستُ منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواءً في البضاعة

يقول: من ميزتي ولو أني مذنب أني إذا رأيت الصالح أحبه.. إذا رأيتُ الذي يصلي الصلوات الخمس، والذي يلتزم بالسنة، ويحب الله ورسوله أحبه وأضمه وآتلف معه.. ومع أني أعمل المعاصي لكني أكره هذا العاصي، وأكره المجرم. فرد عليه الإمام أحمد وقال:

تحب الصالحين وأنتَ منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة

يقول: أنت من أسرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن بيتكم خرجت الشفاعة بسند رجاله ثقات، فكيف أنت؟! بل أنت من الصلحاء الكبار.

قال ابن المبارك في كلمة نثرية: أحب الصالحين ولستُ منهم، وأكره الأشرار وأنا شر منهم. وقد ذكرها الذهبي بسند حسن إليه.

أعلى الصفحة

وسائل الوقوف ضد حرب الشهوات

أيها الإخوة: ما هي حلول حرب الشهوات؟

ذكرنا أسباب حرب الشهوات، والآن نعود بمفهوم الضد ونذكر الحلول..

أ/ غرس حب النوافل في القلوب..

إن بعض الدعاة لا يتحدث في هذه الأمور، ويقول: لا تحدث الناس في اللحية، أو في الثياب، أو في النوافل، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: هذه قشور.. سبحان الله! تأتينا بمفهوم بعد خمسة عشر قرناً؟! أين الصحابة عن هذه الكلمة؟! وأين السلف الصالح والأئمة والفقهاء والعلماء؟! تقسم أنت هذا الدين إلى قشور ولُباب؟! إن مسألة قشور إزراء بالإسلام، إنها حرب على الدين.. إنها هجوم صارخ على السنة.. إنها جرح لمشاعر المسلمين، إن المسلم المسلم متكامل، أما أن يأتيك مسلم وكأنه من باريس

، لا تعرفه إلا إذا صلى، فإذا قلت له: لماذا لا تظهر عليك السنة؟ قال: القضية أعظم من ذلك، وإذا قلت: وما هي القضية؟ قال: القضية قضية إيمان؛ لأن الإيمان حقائق إذا صيغت في القلب أصبحت استراتيجية الدعوة متطورة..! لا. الإيمان يظهر والإيمان يبطن، الإيمان -كما عرفه أهل السنة: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، فإذا نقص شيء فقد نقص بحسبه.

إذاً: غرس النوافل، وتربية الجيل على النوافل؛ هي الحرارة الإيمانية.

ب/ الثقافة الإيمانية.

أيها الإخوة: هنا ملاحظة وظاهرة: إذا ركب الإنسان منا في الطائرة وجد شباباً -حتى من الدعاة- من يأخذون الرحلة كلها في قراءة مجلات وجرائد، ولو كانت إسلامية، لكنك لا تسمعه يقرأ جزءاً من القرآن، أو يسبح، أو يرفع يديه ربع ساعة أو عشر دقائق ليتصل بالواحد الأحد الذي لا يربي القلوب إلا هو.. وإن القلب ليضعف بسبب هذه الأمور، وهي ليست حراماً؛ لكنها ليست ثقافة إيمانية، ولا بد من قراءتها لمعرفة الواقع، لكن أين الحرارة؟! أين القرآن؟! أين الأوراد؟! كان ابن تيمية إذا صلى الفجر ذكر الله تعالى حتى يرتفع النهار، فيقول له تلاميذه: ما هذا؟ قال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ لسقطت قواي. هذا الحصن الحصين، ومن المعلوم عند العلماء والصالحين أن مَن أكثر الدعاء في الصباح، ومن كان عنده اتصال بالله؛ أن الله يعافيه من كثير من الذنوب والخطايا، ويسدده ويهديه سواء السبيل.

جـ/ نشر العلم الشرعي.

ومنها -وأعود إلى ما قلت-: العلم الشرعي، نشر علم السلف .. والفكر له حجم في الإسلام، الإسلام يعترف بالعلماء ولا يعترف بالمفكرين، كلمة المفكرين ما ذكُرت في القرآن إلا من باب التفكر لأهل العلم والتدبر؛ لكن مسألة مفكر مسلم فيها نظر، فلا يوجد إلا عالم مسلم أو عالم كافر.. فالعلماء هم ورثة الأنبياء.. والمفكرون يؤجرون، ولكن يعطى الفكر مساحة، ولا بد من ربطه بمفكرين من المسلمين.

من التحديات التي تواجه الإسلام: زرع الخلاف في الصفوف

ومما حوربنا به: زرع الخلاف في الصفوف، وتمزيق الكلمة بجزئيات ونحذر من بعضنا البعض ونقول دائماً: هؤلاء من جماعة كذا.. وهؤلاء من مشرب كذا.. وانتبه من هؤلاء.. سبحان الله! يحذر بعضُنا من بعض! أصبحنا كأننا على أناجيل متعددة! وأصبحنا كأننا في ديانات مختلفة!

والذي أراه أن الأصلح أن يقوم أهل العلم وقادة هؤلاء بالتفاهم في مجالس خاصة، لمعرفة الخلاف، والعودة إلى الكتاب والسنة، ومعرفة من هو المصيب من المخطئ، وعدم إثارة ذلك في المجامع العامة، وفي محافل لا تتحملها عقول الناس.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُُ ورسولُه؟! ] ].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت