والمسلم يجعل نيته صادقة في كل خير، يقول عمر رضي الله عنه: (أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله, فإن صدق العمل النية فذاك، وإن حيل بين العمل والنية فلك ما نويت، ومن سرّه أن يكمل له عمله فليحسن النية, فإن الله يؤجر العبد إذا حسنت نيته حتى بإطعام زوجته) .
أيها المسلمون، إذا قوي الإخلاص وعظمت النية وأخفي العمل الصالح مما يشرع فيه الإخفاء قرب العبد من ربه وأظله تحت ظل عرشه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منها ـ: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) )رواه مسلم (15) [15] .
وكلما أخفي العمل كان أقرب إلى الإخلاص، قال جل وعلا: إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:271] .
يقول بشر بن الحارث:"لا تعمل لتُذكر، أكتم الحسنة كما تكتم السيئة".
وفُضّلت نافلة الليل على نافلة النهار واستغفار السحر على غيره لأن ذلك أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص.
وعلى العبد الصبر عن نقل الطاعة من ديوان السر إلى ديوان العلانية, وإذا أخلصت في العمل ثم أثنى عليك الخلق وأنت غير متطلع إلى مدحهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياء أن تزين عملك من أجلهم. سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: (( تلك عاجل بشرى المؤمن ) )رواه مسلم (16) [16] .
ومن كان يعمل صالحاً ثم اطلع الخلق على عمله فأحجم عن الاستمرار في تلك الطاعة ظناً منه أن فعله بحضرتهم رياء فذلك من حبائل الشيطان، فامضٍ على فعلك, يقول الفضيل ابن عياض:"ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما".
وبعض الناس يظن أن الإخلاص مقصور على الصلاة والصدقة والحج دون غيرها من الأوامر، ومن رحمة الله ورأفته بعباده أن الإخلاص يستصحب في جميع العبادات والمعاملات، ليُثاب العبد على جميع حركاته وسكناته, فزيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين هي مع الإخلاص عبادة، وفي جانب المعاملات من الصدق في البيع والشراء وحسن عشرة الزوجة والاحتساب في إحسان تربية الأبناء كل ذلك مع الإخلاص يُجازى عليه بالإحسان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك ) )متفق عليه (17) [17] ، قال: شيخ الإسلام:"من عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العوض ثناءً أو دعاءً أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم لله".
أيها المسلمون، الإخلاص عزيز والناس يتفاضلون فيه تفاضلاً كبيراً، ولدفع عوارضه من آفة الرياء والعجب بالعمل إلجأ إلى الله دوماً بالدعاء أن تكون من عباده المخلصين، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكأن أكثر دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا) .
وأكثر من مطالعة أخبار أهل الصدق والإخلاص، واقرأ سير الصالحين الأسلاف، واحتقر كل عمل صالحًا تقدمه، وكن خائفًا من عدم قبوله أو حبوطه، فليس الشأن الإتيان بالطاعات فحسب, إنما الشأن في حفظها مما يبطلها.
ومن حفظ العمل عدم العجب وعدم الفخر به, فازهد في المدح والثناء فليس أحد ينفع مدحه وضر ذمه إلا الله, والموفق من لا يتأثر بثناء الناس وإذا سمع ثناءً لم يزده ذلك إلا تواضعًا وخشية من الله، وأيقن أن مدح الناس لك فتنة، فادع ربك أن ينجيك من تلك الفتنة، واستشعر عظمة الله وضعف المخلوقين وعجزهم وفقرهم، واستصحب دومًا أن الناس لا يملكون جنة ولا نارًا، وأنزل الناس منزلة أصحاب القبور في عدم جلب النفع لك ودفع الضر عنك، والنفوس تصلح بتذكر مصيرها، ومن أيقن أنه يوسد في اللحد فريدًا أدرك أنه لن ينفعه سوى إخلاصه مع ربه, وكان من دعاء السلف:"اللهم إنا نسألك العمل الصالح وحفظه".
أيها المسلمون، ثوب الرياء يشف ما تحته, يفسد الطاعة ويحبط الثواب، وهو من أقبح صفات أهل النفاق يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142] , وهو من أشد الأبواب خفاءً, وصفه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: (أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل) . قال الطيبي رحمه الله:"وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها, يبتلى به المشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة".
والنبي خافه على أمته وحذرهم منه قال عليه الصلاة والسلام: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( الشرك الخفي، يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه ) )رواه أحمد (18) [18] .
قال في تيسير العزيز الحميد:"الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال".
المرائي مضطرب القلب مزعزع الفكر، لا يُخلص في عبوديته ومعاملته, يعمل لحظ نفسه تارة ولطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة عند الخلق تارة، المرائي يفضحه الله ويهتك ستره ويظهر خباياه، ضاعت آماله وخاب سعيه, وعومل بنقيض قصده, يقول النبي: (( من يسمّع يسمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به ) )رواه مسلم (19) [19] .
وإن أخفى المرائي كوامن نفسه وخفايا صدره أظهرها الله، يقول النبي: (( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) )متفق عليه (20) [20] .
فاخشى على أعمالك من الخسران، فالميزان يوم الحشر بمثاقيل الذر، المن والأذى يبطل البذل، والرياء يحبط العمل، وإرادة الدنيا وثناء الخلق متوعد فاعله بدخول النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا الهكُمْ اله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون، لا أنفع للقلب من تجريد الإخلاص ولا أضر عليه من عدمه، وكلما قوي إخلاص الدين لله كملت العبودية، ومن عرف الناس أنزلهم منازلهم, ومن عرف الله أخلص له أعماله، وكلما صحت العزيمة وعظمت الهمة طلب الإنسان معالي الأمور, ولم يلتفت إلى غير الله, ولم ينظر إلى ما سواه، وليس من الرشد طلب الآخرة بالرياء, وإياك أن تطلب بعملك محمدة الناس أو الطمع بما في أيديهم.
والإخلاص يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده، وآفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه بعين الرضا فقد أهلكها، وأمارة الإخلاص استواء المدح والذم، والله يحب من عبده أن يجعل لسانه ناطقًا بالصدق وقلبه مملوء بالإخلاص وجوارحه مشغولة بالعبادة.
(1) في العلم باب الحرص على الحديث (99) .
(2) أخرجه البخاري في الجنائز باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص (1296) ، ومسلم في الوصية باب الوصية بالثلث (1628) .
(3) أخرجه البخاري في الإجارة باب: من استأجر أجيرًا فترك الأجير أجره... (2272) ، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب قصة أصحاب الغار الثلاثة (2743) .
(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/ 183) ، وصححه ابن حبان (الإحسان 1/ 270) من حديث زيد بن ثابت.