فهرس الكتاب

الصفحة 9122 من 9994

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-أهمية الإخلاص. 2- فوائد الإخلاص ومنافعه. 3- فضل النية الصالحة. 4- خطر الرياء وعاقبته. 5- تصحيح بعض المفاهيم في باب الإخلاص. 6- أسباب حفظ العمل من الرياء والعجب. 7- من علامات الإخلاص وإماراته.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فالعز في طاعة المولى، والذل في اتباع الهوى.

أيها المسلمون، القلوب لا تطمئن إلا بالله، وغنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، ودين الحق هو تحقيق العبودية لله، وكثيراً ما يخالف النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد تحقيق عبوديتها لله، وإخلاص الأعمال لله أصل الدين، وبذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في قوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدّينِ [الزمر: 2] .

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن عبادته قائمة على الإخلاص فقال له: قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدّينَ [الزمر:11] .

وبذلك أمرت جميع الأمم قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاةَ وَيُؤْتُواْ الزكاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ [البينة:5] .

وأحق الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من كان أخلصهم لله, قال أبو هريرة رضي الله عنه: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) )رواه البخاري (1) [1] .

والإخلاص مانع بإذن الله من تسلط الشيطان على العبد, قال سبحانه عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] .

والمخلص محفوظ بحفظ الله من العصيان والمكاره، قال سبحانه عن يوسف عليه السلام: كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] .

به رفعة الدرجات وطرق أبواب الخيرات يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( إنك لن تُخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ) )متفق عليه (2) [2] .

وإذا قوي الإخلاص لله علت منزلة العبد عند ربه، يقول بكر المزني:"ما سبقنا أبو بكر الصديق بكثير صلاةٍ ولا صيام, ولكنه الإيمان وقر في قلبه والنصح لخلقه".

وهو سببٌ لتفريج الكروب, ولم ينجّ ذا النون سوى إخلاصه لمعبوده: لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] .

المخلص لربه مجاب الدعوة, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( انطلق ثلاثة نفر مما كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال كل واحد منهم متوسلاً إلى الله بصالح عمله وإخلاصه: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت فخرجوا يمشون ) )متفق عليه (3) [3] .

بتجريد الإخلاص تزول أحقاد القلوب وضغائن الصدور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ) )رواه أحمد (4) [4] .

والإخلاص شرطٌ في قبول توبة المنافق، قال عز وجل: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:145، 146] .

في الإخلاص طمأنينة القلب وشعورٌ بالسعادة وراحة من ذل الخلق، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:"من عرف الناس استراح"أي: أنهم لا ينفعونه ولا يضرونه.

وكل عمل لم يقصد به وجه الله طاقة مهدرة وسراب يضمحل، وصاحبه لا للدنيا جمع ولا للآخرة ارتفع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً, وابتغي به وجهه ) )رواه النسائي (5) [5] .

وإخلاص العمل لله وخلوص النية له وصوابه أصل في قبول الطاعات يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (لا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قولٌ وعملٌ ونية إلا بما وافق السنة) (6) [6] .

والإخلاص أن تكون نيتك لله لا تريد غير الله، لا سمعة ولا رياء ولا رفعة عند أحد ولا تزلفاً ولا تترقب من الناس مدحًا ولا تخشى منهم قدحا، والله سبحانه غني حميد لا يرضى أن يشرك العبد معه غيره، فإن أبى العبد إلا ذلك رد الله عليه عمله، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي، قال الله عز وجل: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) )رواه مسلم (7) [7] .

أيها المسلمون، العمل الصالح وإن كان كثيراً مع فساد النية يورد صاحبه المهالك، فقد أخبر الله عز وجل عن المنافقين أنهم يصلون وينفقون ويقاتلون، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم أنهم يتلون كتاب الله في قوله: (( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ) )متفق عليه (8) [8] .

ولفِقد صدقهم في إخلاصهم قال الله عنهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] ، (( وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله, الذين لم تكن أعمالهم خالصة لله، وإنما فعلوا ذلك ليقال فلانٌ قارئ، وفلان شجاع، وفلانٌ متصدق ) )رواه مسلم (9) [9] .

والعمل وإن كان يسيراً يتضاعف بحسن النية والصدق والإخلاص، ويكون سبباً في دخول الجنات, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين, لا يؤذيهم فأدخل الجنة ) )رواه مسلم.

(( وامرأة بغي رأت كلباً يطيف ببئر كاد يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر الله لها ) )متفق عليه (10) [10] .

يقول عبد الله بن المبارك:"رب عملٍ صغيرٍ تعظمه النية، ورب عملٍ كبيرٍ تصغره النية"، قال ابن كثير رحمه الله في قوله: اللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء [البقرة:261] "أي: بحسب إخلاصه في عمله".

والواجب على العبد كثرة الصالحات مع إخلاص النيات، فكن سبّاقاً لكل عمل صالح، ولا تحقرن أي عملٍ تخلص نيتك فيه، فلا تعلم أي عملٍ يكون سبباً لدخولك الجنات، ولا تستخفن بأي معصية فقد تكون سبباً في دخولك النار، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( دخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) )متفق عليه (11) [11] .

والله جل وعلا متصف بالحمد والكرم، وإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيأ له أسباب العمل فإنه يؤجر على تلك النية وإن لم يعمل, كرماً من الله وفضلاً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء, وإن مات على فراشه ) )رواه مسلم (12) [12] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي لا مال عنده وينوي الصدقة: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، قال: (( فهو بنيته ) )رواه الترمذي (13) [13] .

بل إن الهمّ بعمل صالح يؤجر عليه العبد وإن تخلف العمل، قال عليه الصلاة والسلام: (( من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) )متفق عليه (14) [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت