وهذا يظهر جليًا في هذا الزمان وفي هذه الأيام ، وهو من أعظم ما أفسد ما بين المسلمين ، وهو كما عَرَّفَهُ النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال كما عند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (6) .
[3] الْجَهْلُ والْجُّهَال:
كذلك من الأمور التي تفسد بين المسلمين"الجهل"؛ فإنَّ كثيرًا مِنْ الناس لِجهلِهِ بكثير من أمور الدين إذا حَفِظَ مسألة علمية طَبَّقَهَا على مَنْ لا يستحقها ، لذلك فيطبقها على المسلمين ، بل وربما على بعض دعاة المسلمين ، ويُحَذِّر منهم ، ويقطع صلتهم ، ويُحَرِّض إخوانه على قطيعتهم ، وما أشبه ذلك .
وما أحسن الكلمة التي قالها الإمام سُحْنُون - الثقة العالم عليه رحمه الله - قال عليه رحمة الله كلام معناه:"إن الرجل قد يحفظ بابًا مِنْ العِلْمِ فَيَظُن أنَّه الْحَقَ كُله".اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله -:"فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله سبحانه وتعالى جهل أو هوى وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق جامع مشترك من الحق يجتمعون عليه (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [المؤمنون: 53] " (7) .اهـ
[4] التَّعَصب:
وكذلك مما يُعْمي البصر والبصيرة ، ويُأَجِّج العدوات بين المسلمين"التعصب لِبَلَد"، أو"التعصب لقبيلة"، أو"التعصب حتى لشيخ"، أو"لِعَالِم"، أو"لِشَخْصٍ من الناس"، أو"أَنْ يتعصب أهل الزوجة للزوجة"، أو"أهل الزوج للزوج"، فيحرض كل واحد الآخر على قطيعة ود المسلم ، وينشأ من ذلك الشجار و المشكلات ، والمقاطعات .
[5] الْمِرَاءُ والْجِدَالُ:
وأيضا مما يسبب العداوة والقطيعة بين المسلمين"المراء والجدال ؛ فَالْجِدال أَمْرٌ خطير ، حتى ولو كان بِالحق أحيانا ، فَإِنَّه قد يتغلب على الإنسان شيطانه وهواه حتى يعميه عن الحق ، ويصبح جداله من أجل نفسه ، ومن أجل أن ينتصر من خصمه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ) (8) ."
وأخرج البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ فِي الْمُزَاحَةِ وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ) (9) .
فالْمِراء وكثرته يُفْسِد ود القلوب ، ويُقَسِّي القلب ويُجْفِيهِ ، ويخلق الضغائن ، ويقطع المودات والعلائق الحسنة بين المسلمين .
[6] فتح باب قالة السوء وسعة الصدر لاستقبال المفسدين النمامين:
ومما يُفْسِد العلائق بين المسلمين أن كثير من الناس يأته الناس بقالة السوء يحملها عن أخيه المسلم فيستقبله بصدر رَحِبٍ ويهش له ويبش ، ويأخذ كلامه مَأْخَذ الْجِد ، وقد يكون قول له حقيقة وقد يكون لا حقيقة له ، ولكنه بكل حال رجل نَمَّام يجب على كل مسلم أن يرده وأن يغلق الباب في وجهه ولو عومل كل نمام هذه المعاملة لارتاح الناس من شر كثير.
جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه - فقال له قول في شخص ، فقال عمر رضي الله عنه ورحمه الله:"يا هذا إن كنت صادقًا فأنت ممن قال الله فيهم ( وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ - هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ) وإن كنت كاذب فأنت ممن قال الله سبحانه فيه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) " [الحجرات:6 ]
وقال الشافعي عليه - رحمة الله:"نَزِّهوا أَسْمَاعَكم عَنْ سَمَاعِ الْخَنَى كَمَا تَنَزهُون أَلْسِنتكم عَنْ النُّطق بِهِ فَإِنَّ المستمع شَريك القَائِل وَإِنَّ السَّفيه ينظر إلى أخبث شيء فِي وِعَاءِهِ فيَحَرص عَلَى أَنْ يُفَرِّغُهُ فِي أَوْعِيَتِكُم وَلو رَدَّ النَّاس كلمة السَّفيه لَسَعِدَ بِذَلِك رَادوها كما شَقي بِذَلِك قَائِلُهَا" (10) .
وما أحسن قول الحكيم
مَنْ جَعَلَ النَّمَام عَيْن هَلَكَا
مُبَلِغُكَ الشَّر كبَاغِيهِ لَكَا (11)
ولذلك قال الفضيل بن عياض عليه - رحمه الله -:"ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة صوم ولا صلاة ولكن أدرك بسلامة الصدور وسخاء الأنفس والنصح للأمة".
[7] سوء الظن:
وأيضا مما يسبب القطيعة وفساد ذات البين بين المسلمين"سوء الظن"، وذلك أنَّ كثيًرا من الناس - والعياذ بالله- مُصَابٌ بِمَرض في نفسه ، وهوى في قلبهِ ؛ فتجد قلبه - عياذًا بالله - معمورًا بالحقد ، مغمورًا بالحسد ، لا مكان لحسن الظن للمسلمين في قلبه ، بل وربما سافر من هنالك إلي هنالك كل ذلك من اجل نشر قالة السوء بين المسلمين ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى بعدما أوجب الإصلاح بين المسلمين نبه الله عز وجل على الأمور الباعثة على إفساد العلائق بين المسلمين فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) [ الحجرات: 11- 12] .
وقال عليه الصلاة والسلام: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ) (12) .
[8] التَّجَسُسُ وَالتَّحَسُسُ:
وأيضا: من الأمور الباعثة على فساد العلائق بين المسلمين التجسس والتحسس ؛ ولِهَذَا نهَي الله عز وجل عنه بقوله: ( وَلَا تَجَسَّسُوا) [ الحجرات: 12]
قال ابن كثير عليه - رحمه الله -:"التجسس إنما يكون في الشر ومن ذلك الجاسوس" (13) .
وقال عليه الصلاة والسلام ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا ) (14) ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لمعاوية - نهى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يعلم بما أَعْلَمَهُ الله أَنَّ أمور المسلمين ستصير إليه - نهاه عن تتبع عورات المسلمين وقال: ( إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ) (15)
خامسًا: واجبنا تجاه هذه المفسدات:
أخي المسلم ، أختى المسلمة:
أنت مدعو لِإحياء هذا المبدأ العظيم ، لِإحياء هذه الفريضة ، لِإحياء هذه الفضيلة ، بل أنت مأمور في كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالتعاون على هذا الأمر بالتعاون على إصلاح ذات البين من المسلمين ، والويل كل الويل لمن سَعَى بينهم بالإفساد والوقيعة والقطيعة .
الآن وقد علمنا المفسدات فما هو واجبنا نحوها ؟!
1 -الالتزام بطاعة الله عز وجل ، ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به ، ونَهَانَا عنه .
2 -أَنْ نَحْذَر مِنْ الكبر والبطر ، وأَنْ نقبل الحق ممن جاء به ، فالحكمة ضالة المؤمن ؛ هو أَوْلَي ممن قالها أيًّا كان حاله ومنزلته .