وأما فضيلة إصلاح ذات البين فَلِمَا جاء فيه مِنْ الثواب والأجر العظيم في الآيات والأحاديث ، فمنها قوله سبحانه وتعالى (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) [النساء:114] .
وقال تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) -إلى أن قال تعالى - وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما ً) [ النساء: 128- 129] .
وقال تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [البقرة:160 ] .
والآيات في هذا أيضا كثيرة ، منها ما يشير بِالنَّص ، ومنها ما يُلمح إلى ذلك بالمعنى .
أما الأحاديث جاء في ذلك ما ثبت عند الإمام احمد وأبي داود والترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام ، قال:( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟
قَالُوا: بَلَى !
قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ ) (2) .
وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: ( لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ) (3) .
فمن هذه النصوص ترى أَنَّ الله عز وجل أَمَرَ بذلك ، ورَتَّب عليه الثواب الأَسْنَى ، والجزاء الأَوْفَى .
أَمَرَ بإصلاح بين الناس في العلاقات الفردية ، وفي العلاقات الزوجية والأسرية ، والروابط الاجتماعية وفي العلاقات الدولية ، والأممية والقبلية ، وفي كل العلاقات بين الأفراد والجماعات والأمم ، أَمَرَ الله بذلك ، وأكَّد عليه .
وكما أَنَّ هذا الإنسان - الذي أَخَذَ على عاتقه أن يصلح بين الناس - ممدوح عند الله عز وجل ، وعند المؤمنين فهو كذلك ممدوح عند العقلاء ، مضت سنة عقلاء الناس أنهم يحترمون ويُبَجِّلون ويُقَدِّرون هذا الذي يُصلح بين الناس ، ويسعى بينهم لحقن الدماء ، ونعلم تلك القصيدة التي سَطَّرَها التاريخ ، وعَدَّها الجاهليون من أروع المعلقات التي قالها زهير ابن أبي سُلمى ، سَطَّرها في مدح الحارث بن عوف ، وصاحبه هرم ابن سنان لما سعيا بين عبس وذبيان بالصلح فحقن الله بهما دماء القبيلتين فكان مما قال:
يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيدَانِ وجِدْتُمَا
عَلَى كَلِّ حَالٍ مِنْ سَحِينٍ وَمُبْرِمِ
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا
تَفَانوا وَدَقُوا بَيْنَهُم عِطْرَا مَنْشَمِ
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكَ السِّلْمَ وَاسِعًا
بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنْ الْقَولِ نَسْلَمِ
فَأَصْبَحتُمَا فِيهَا عَلَى خَيْرِ مَنْزِلٍ
بَعِيدَينِ فِيهَا عَنْ عُقُوقٍ وَ مَأْثَمِ
عَظِيمَينِ فِي عَلْيَا مَعَدٍ وجِدْتُمَا
وَمِنْ يَسْتَبِح كَنْزًا مِنْ الْمَجْدِ يُكْرَمِ
إلى أخر ما قال .
والشاهد: إِنَّ هذا الذي يسعى بين الناس بالصلح محبوب ومحترم عند الله عز وجل معترف له بالفضيلة عند خلقه .
ثالثًا: عقوبة المفسد لذات البين:
وبعد أن علمنا ما للمصلح لذات البين من فضل ، وما أعد الله له من ثواب جزيل ، وحتى تتضح الصورة نذكر عقوبة المفسد لذات البين ، فهناك نوع من البشر عكس الأول تمامًا وضده ؛ وهو النَّمَام القَتَّات السَّاعِي بين الناس في القطيعة ، الساعي بينهم في الدماء ، الساعي بينهم بمقالة السوء ، بقطع العلاقات ، وبنشر الخزايا ، وبنقل كلمة السوء ؛ يتطوع من غير أجر ، ويطيع شيطانه ، ويطيع أهوائه ، فإِنَّ ذلك مذموم وممقوت ، وَمُتَوَعَد بالعذاب عند الله ، وهذا النوع ذموم بذم الله عز وجل كما في قوله: ( وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ - هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ - مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ - عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ - أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ - إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ - ) [القلم: 10- 15 ] .
بل وثَبَتَ عَنْ النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ) (4) .
وثَبَتَ في الصحيحين من حديث ابن عَبْاسٍ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ، فقال إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، ثم قال: )َمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) (5)
فَعُلِمَ من هذا ذم ذِي الوَجْهَين وهو النَّمَام الذي ينقل الكلام مِنْ هَذَا إِلَى هَذَا ، ومِنْ هذا الشَّخص إِلَى هذا الشَّخص ، ومِنْ هذه العشيرة إِلَى تلك العشيرة ، ومِنْ هذه الدولة إِلَى تلك الدولة ، ومِنْ الرعية إِلَى الحاكم ، ومن الحاكم إِلَى الرَّعية من أجل الإفساد بين الناس ، فينجم من هذا ، وينشئ فَسَادٌ عَظِيمٌ وَشَرٌ كَبِيرٌ.
رابعًا: مفسدات ذات البين:
إِنَّنا إذا تَأَمَّلْنا الأسباب التي تؤدي إلى قطع المودات ، وإفساد ذات البين وجدتها أمورًا معلومة معروفة ، وعلاج ذلك إِذَا عُرِفَ الدَّاء سَهُلَ الدَّوَاء
فأساس ذلك:
[1] ترك طاعة الله عز وجل ، ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به ، ونَهَانَا عنه ، قال تعالى: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) [الأنفال: 46] .
ومن أعظم ما أمرنا الله عز وجل به ، ورسوله صلى الله عليه وسلم التزام الأخلاق الإسلامية ؛ الصفح عن من ظلم ، والإحسان إلى من أساء ، والدفع بالتي هي أحسن ، والأمر بالعرف ، والأخذ بالعرف ، وإِلَانَة الجانب ، ولين الحديث ، والهشاشة والبشاشة مع المسلم ، وحُسْن الظَّن بالمسلمين إلى غير ذلك ، كلُّ ذَلِك مِمَا أَمَرَنَا الله عز وجل به قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) [الأعراف: 199- 200 ] .
وقال تعالى: ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: 43 ] .
بل إِنَّ الله عز وجل أَمَرَنَا بذلك ، حتى مع الكفار غير المحاربين ، قال تعالى: ( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) [ الزخرف: 89 ] .
وقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [العنكبوت: 46] .
وقال (:(قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ) [ الجاثية: 14] .
فكيف بالذين يرجون أيام الله ، ويخافون عقابه ؟!
فنظرًا لِغِيَاب هذا الأمر تَبَدَّل وُد الإخاء بين المسلمين ، وعمَّت القطيعة والشقاق بين المسلمين ، حتى هَجَرَ بعضهم بعضا في السلام والزيارة وصلة الرحم ؛ لأمور مادية حقيرة ، لا لأمور شرعية معتبرة .
[2] الهوى ، والكبر ، وبطر الحق وغمط الناس .