هيَّا إلى معشرٍ تَجافَوا عن الدُّنيا *** وَخلُّوا حرامها والحلالا
كُلَّما أقْبَل الظلامُ عليهمُ *** قابلوهُ بِأوجُهٍ تتلالا
أسقموا بالجوع والسُّهادِ *** أجسادَهُم ليصحِّحوا الأعمالا
هذه حالُ مَنْ يرومُ المعالي *** هكذا، وإلاَّ فلا لا
الوقفة الأولى مع إمام من أئمة الهدى والعِلم، الإمام الأوزاعي، رحمة الله عليه.
لما فتح عبد الله بن علي العباس دمشق قتل في فترة وجيزة ستة وثلاثين ألفاً من المسلمين، وأدخل بغاله وخيوله في المسجد الأموي الكبير، ثم جلس للناس وقال للوزراء:"هل يعارضني أحد؟!"قالوا:"لا"، قال:"هل ترون أحداً سوف يعترض عليّ؟"قالوا:"لا، إنْ كان فالأوزاعي".
والأوزاعي إمامٌ مُحدِّثٌ، كان إمام الدُّنيا، وكان أمير المؤمنين في الحديث وكان زاهدا عابداً، وقد روى للإمام البخاري والإمام مسلم، رحمة الله عليهما.
لقد قال هذا الحاكم:"تعالوا به". فذهب الجنود للأوزاعي، فما تحرَّك من مكانه، قالوا:"يريدك عبد الله بن عليّ"، قال:"حسبنا الله ونعم الوكيل؛ انتظروني قليلاً"، فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتجهَّز للموت ثم قال في نفسه:"قد آن لك يا أوزاعي أن تقول كلمة الحق لا تخشى في الله لومة لائم".
قال الأوزاعي وهو يصف القصة:"فدخلتُ فإذا أساطين من الجنود قد جُعِلوا على صَفَّين، وقد سَلُّوا سيوفهم، فدخلتُ مِنْ تحتِ السيوف حتى بلغتُ إلى عبد الله بن علي العباس، وقد جلس على سريره وبيده خيزران، وقد انعقد على جبينه عقدة من الغضب، فلَّما رأيتُهُ كان أمامي كذُبابة"!.
سبحان الله، كل هذه الهيبة والتهيئة لإخافة هذا العالم الجليل، لم تُوقِع في نفسه خوفاً من هذا الظالم، فرآه كأنَّه ذبابة.
سبحان الذي يملأ ذكره وعظمته قلوب العُبَّاد الزُّهَّاد فلا يرون شيئاً أعظم من الله تبارك وتعالى!.
يقول:"فما تذكَّرتُ أحداً؛ لا أهلاً ولا مالاً ولا ولداً، إنَّما تذكَّرتُ عرش الرحمن إذا برز للنَّاس يوم الحساب".
قال:"فرفع بصره وقد ظهر عليه الغضب"، ثم قال:"يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أُميَّة التي أَرقْنَاها؟"، قال الأوزاعي: حدَّثنا فلان عن فلان، إلى أن قال: عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:"لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث: الثيِّبُ الزاني، والنَّفس بالنَّفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" ( [1] )
فإنْ كان مَنْ قتلتهم مِنْ هؤلاء فقد أصَبْتَ"، أي: لو كان الذين قتلتَهم يدخلون ضمن هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلّم فلا غضاضة عليك، وإن لم يكونوا منهم فدماؤهم في عنقك."
قال الأوزاعي:"فنَكَثَ بالخيزران"، أي حرَّك بها"ورفعتُ عمامتي أنتظر السيف". فماذا يتوقع بعد كل هذه الجرأة وهذه الشجاعة وهذا الحق إلا أن تُضْرَب عنقه.
قال:"ورأيت الوزراء يستجمعون ثيابهم ويرفعونها حتى لا يصيبها الدم"، كأنَّهم أيقنوا أنَّ القتل واقع لا محالة فتهيَّأوا لقطع عنق الأوزاعي فجمعوا ثيابهم حتى لا يتطاير الدم فيرشها.
قال:"وما رأيك في الأموال؟"، قال الأوزاعي:"إن كانت حلالاً فحساب"، أي أنَّك ستُحاسب كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، أنَّه يقف العباد عند الله تبارك وتعالى، فما يمر الواحد في ذلك الموقف إلا يُسأل عن أيِّ درهمٍ أو دينارٍ: من أين اكتسبه وفِيمَ أنفقه. ثم قال:"وإن كانت حراماً فعقاب".
قال ـ أي عبد الله بن عليّ العبَّاس ـ:"خُذ هذه البدرة"، وهي كيس مملوء بالذهب، قال الأوزاعي:"لا أريد المال".
قال:"فغمزني أحد الوزراء، يعني خُذها".
فأخذ الأوزاعي الكيس ووزَّعه على الجنود حتى لم يبقَ فيه شئ، ثم رمى به وخرج، فلَّما خرج قال:"حسبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيل، قُلناها يومَ دخَلْنَا، وقلناها يوم خرجنا ( [2] ) (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) ( [3] ) ."
بِعْنَا النُّفُوسَ فلا خيارَ بِبيعِنا *** أعْظِم بقومٍ بايعُوا الغَّفَّارا
فَأَعَاضَنَا ثمناً ألذَّ مِنْ المُنَى *** جنَّات عَدْنٍ تُتْحِفُ الأبرارا
فلِمِثْلِ هذا قُمْ خطِيباً مُنشِداً *** يَرْوِي القَرِيضَ ويَنْظِمُ الأشعارا
هذه وقفة وقفناها مع الإمام الأوزاعي في هذا الموقف العصيب، وهو يقول كلمة الحق، لأن الله قد عَظُم في قلبه، فكان الله تبارك وتعالى معه.
وابتلاه الله مرة أخرى بالمال فنجح في هذا الابتلاء، فما خرج من بيت هذا الظالم ومن مكانه إلا كما دخل، بِعزَّتِهِ، بدينِهِ، بقوتِهِ في الحق.
خرج فقيراً كما دخل فقيراً، والعزة لله ولرسولِهِ ولدينِهِ وللمؤمنين.
** عميد كلية الشريعة. جامعة افريقيا العالمية- (الخرطوم- السودان)
(1) رواه البخاري، 8/38. ومسلم، 3/1302، 1303.
(2) انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 10/118. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ط/9، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1413هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوس، 7/124، 128.
(3) سورة آل عمران: 174.
دور المرأة المسلمة في مواجهة التغريب
تمر أمتنا الإسلامية في الوقت الحاضر بمرحلة في غاية الخطورة هي محاولة إرساء التغريب في أرضها وإحكام الهيمنة عليها من قِبَلِ أعدائها. والتغريب هنا هو تحويل الثقافة العربية والإسلامية من عقيدة وسلوك، وعادات وتقاليد إلى ثقافة وعادات وتقاليد تابعة للغرب مخالفة تماماً لعقيدتنا وتراثنا الإسلامي، ومن ثم تصبح الهيمنة على أمتنا والسيطرة عليها واحتواؤها سهلاً ميسوراً؛ بحيث تخضع خضوعاً تاماً لما يريده الغرب، الذي يحاول جاهداً دون كلل أو ملل بث أفكاره وثقافته بكل السبل التي يستطيع الدخول من خلالها.
وهذا التغريب قائم على أبحاث ودراسات حشدت لها كل الطاقات والإمكانات لكي تطبق على المسلمين، منها ثقافية وفكرية، ومنها نظم سياسية واقتصادية بعيدة كل البعد عن الإسلام وتشريعاته، مما يؤدي في النهاية بالمجتمع الإسلامي إلى أن يتشبع بالفكر الغربي وثقافته وحضارته المعادية للإسلام، فيقضي على شخصية المجتمع وولائه لدينه وأمته، ويصبح من السهل قيادته وتنفيذ كل ما يطلب منه. والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أهمها ما يتعلق بشؤون المرأة.
ولما كان للمرأة المسلمة أهمية كبيرة في تربية الأجيال ولها تأثيرها المباشر في تنشئتهم على الإسلام عقيدة وسلوكاً، فقد أعطى أعداء الإسلام أهمية قصوى لمحاولة تغريبها والتركيز عليها؛ وذلك من خلال الدعوات البراقة الكاذبة التي انخدع بها كثير من أبناء وبنات أمتنا... تلك الدعوات المسماة بالتحرر وانتزاع الحقوق، وطلب المساواة بينها وبين الرجل!
فإذا استجابت المرأة المسلمة لدعوتهم تلك فسيؤدي ذلك حتماً إلى إفسادها ثم إلى فساد المجتمع وتدميره بأقصر الطرق وأسرعها؛ لما لها من تأثير فعال في ذلك، مما لا يستطيع أن ينكره عاقل.
ومن المؤسف حقاً أن نجد فئة من نسائنا قد انجذبت وانساقت لتلك الأباطيل، فتبنت أفكارهم المضللة تلك، والدعوة لها، وعشن بتبعية كاملة لهم فكرياً واجتماعياً وسلوكياً، مقلدات المرأة الأوربية تقليداً أعمى دون إدراك أو تفكير بحيث ينطبق عليهن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) (1) .