وقول الإمام مالك قوي في نظري، لأن الاعتكاف عبادة، والعبادات توقيفية، والمرجع في أحكام الاعتكاف إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد اعتكف مَرَّات عديدة، ولم يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه اشترط في اعتكافه، وقد كان يخرج لحاجته، ولم يرد أنه كان يشترط ذلك، ثم إن الخروج الزائد على حاجة الإنسان التي لا بد منها بناءً على الشرط ينافي الاعتكاف لغة وشرعاً، والله أعلم.
5-إذا جامع المعتكف زوجته فسد اعتكافه، لقوله تعالى ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ) [ البقرة:187] أي: لا تجامعوهن، والنهي يقتضي الفساد، وهو قول جمهور المفسرين.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «إذَا جَامَعَ المُعْتَكِفُ بَطل اعْتِكَافُهُ واسْتَأنَف» ( [14] ) وليس عليه كفارة لعدم ورودها.
وكذا لو أنزل بمباشرة أي: دون الفرج، فسد اعتكافه باتفاق الأئمة، لأن هذا ينافي حقيقة الاعتكاف، فإن باشر ولم يُنْزل لم يفسد اعتكافه، وهذا قول الجمهور ( [15] ) . فإن أنزل بنظرة أو باحتلام أو بتفكر لم يبطل اعتكافه، لكن إن كرر النظر فأنزل فالقول ببطلانه قوي ( [16] ) ، فإن كانت المباشرة بغير شهوة لم تبطل الاعتكاف اتفاقاً، «لأنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يُخرِجُ رَأسَهُ لِعَائِشَةَ ل فَتُرَجِّلُهُ» ( [17] ) .
وأما وظيفة المعتكف، فهي أن يشتغل بالقُرَبِ والطاعات، وهي كل ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة من صلاة، وذكر، وقراءة، وصيام، وصدقة، وغير ذلك. وعلى المعتكف أن يُدرك حكمة الاعتكاف، فيقضي وقته بما ينفعه ويفيده، وله أن يطلب العلم، ويقرأ في كتب التوحيد، والتفسير، والحديث وغيرها من الكتب المفيدة في بعض الأوقات، ما لم يشغله ذلك عن العبادة الخاصة.
وأما الاشتغال بما يتعدَّى نفعه كتعليم القرآن أو تدريس الفقه أو الحديث ونحوهما، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، والأولى تركه مدة الاعتكاف إلا شيئاً يسيراً، كإفتاءٍ أو شرح مسألة ونحو ذلك ( [18] ) .
وعليه أن يجتنب ما لا يعنيه ولا يهمه من الأقوال والأفعال، وهذا مطلوب من المعتكف وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» ( [19] ) . فيجتنب المعتكف ما لا يعنيه من المباحات ، كاللعب والهزل وفضول الكلام.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المعتكفين:-
ـ عدم إدراك معنى الاعتكاف وحكمة مشروعيته ، فترتب على هذا تفريط كثير من المعتكفين بقدر كبير من الطاعات التي يعتبر الاعتكاف فرصة للقيام بها .
ـ كثرة النوم بالنهار والسهر بالليل في غير طاعة عدا الصلاة مع الإمام وقت التهجد ، وهذا خلاف ما ينبغي للمعتكف ، وهو تقليل النوم وحفظ الأوقات بالاستفادة منها ، لأنها أيام قلائل.
ـ المبالغة في استعمال الهاتف النقال في غير فائدة ، وأنا أرى أن الاعتكاف لا تتحقق حكمته ويحصل المقصود منه مع وجود الهاتف النقال بالصورة الموجودة الآن، ويمكن للمعتكف أن يتصل بأهله عند الحاجة بالطريقة التي يراها .
ـ كثرة التنقل داخل المسجد من مجموعة إلى مجموعة، والإكثار من فضول الكلام وما لا فائدة فيه ، مما يكون سبباً في إضاعة الوقت والتفريط في الدقائق الغالية . أما التحدث أحياناً مع بعض المعتكفين أو مع الأهل فهذا لا بأس به ، لما ثبت في الصحيحين من أن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم صفية رضي الله عنها زارت النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه وتحدث معها [20] .
ـ عدم وضوح جانب التعبد لدى كثير من المعتكفين ، ولاسيما الإكثار من تلاوة القرآن وصلاة النفل .
ـ إمضاء بعض الوقت في قراءة الكتب ، وفي رأيي أن هذا غير مناسب لمن هذه صفته ، وإنما يتسامح فيه لمن يستفيد من الوقت في الطاعة .
ـ من الناس من يعتكف وأسرته أهله بحاجة إليه ، أو ينهاه والده عن الاعتكاف لأسباب مقنعة ، فمثل هذا قد فعل سنة ، وترك واجباً ، فلا ينبغي له أن يعتكف ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ( إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً ) [21] ، أما المتفرغ فالاعتكاف في حقه مشروع ، ومن احتاجه أهله أول العشر ثم حصل الاستغناء عنه في أثنائها اعتكف بقية العشر ، وهو مثاب على ذلك إن شاء الله .
كتبه
الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان
( [1] ) أخرجه البخاري (2026) ، ومسلم (1172) .
( [2] ) أخرجه البخاري (2044) .
( [3] ) انظر:"أحكام القرآن"للجصاص (1/302) ، وقد أخرج الطحاوي في"شرح مشكل الآثار" (7/201) ، والبيهقي في"سننه" (4/316) ، عن أبي وائل قال:"قال حذيفة لعبد الله-أي: ابن مسعود t-: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغير، وقد علمت أن رسول الله r قال: «لا اعتِكَاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي r، ومسجد بيت المقدس» قال عبد الله: لعلك نسيتَ وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا"وهذا يفيد أن الاعتكاف خاص بالمساجد الثلاثة، لكن أجيب عنه أجوبة منها:
1-أنه مختلف في رفعه ووقفه، والصواب وقفه.
2-أن ابن مسعود t لم يقبل رواية حذيفة، بل ردّها، وقال: «لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا؟» ، ولو ثبت رفع الحديث لما تجاسر على ذلك ، وهو من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك.
3-لو فرضنا صحته فهو محمول على الأفضلية، فالاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل كالصلاة فيها، ولو كان ثابتاً لما أجمعت الأمة بعلمائها على ترك العمل به.
4-أنه لو قيل بموجب هذا الحديث للزم منه ترك العموم في الآية، وحملها على القليل النادر، وهذا من معايب الاستدلال، انظر:"الشرح الممتع" (6/504) ،"فقه الاعتكاف"للشيخ: خالد المشيقح ص (120-122) .
( [4] ) أخرجه البخاري (669) ، ومسلم (1167) .
( [5] ) انظر:"الاستذكار" (10/295) ،"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (20/170) ،"فقه الاعتكاف"ص (61) .
( 2 ) رواه البخاري ( 2040 ) ومسلم ( 1167 ) وهذا لفظ البخاري
( [7] ) أخرجه أبو داود (2473) بإسناد جيد على شرط مسلم، انظر:"الإرواء" (4/139) .
( [8] ) أخرجه البخاري (2029) ، ومسلم (297) ، والزيادة له.
( [9] ) انظر:"فتح الباري" (4/273) .
( [10] ) "الإنصاف" (3/366) .
( [11] ) أخرجه البخاري (5089) ، ومسلم (1207) .
( [12] ) "فقه الاعتكاف"ص (169) .
( [13] ) "الموطأ" (1/314) .
( [14] ) أخرجه عبد الرزاق (4/363) ، وابن أبي شيبة (3/92) وسنده صحيح.
( [15] ) انظر:"المغني" (4/475) .
( [16] ) "كشاف القناع" (1/361) .
( [17] ) أخرجه البخاري (295) ، ومسلم (297) .
( [18] ) "فقه الاعتكاف"ص (216) .
( [19] ) أخرجه الترمذي (7/23) ، وابن ماجه (3976) من حديث أبي هريرة t، وهو حديث صحيح لغيره، لأن له شواهد عن جماعة من الصحابة y.
1 رواه البخاري ( 2038 ) ومسلم ( 2175 )
1 رواه البخاري ( 5199) ومسلم ( 1159 ) ( 181 )
أعزّهم الله، فمن يذلهم؟! (1/ 2)
نقف بمشيئة الله تبارك وتعالى مع مواقف عدة صدرت مِنْ بعض مَنْ منَّ الله عليهم بالقوة في الحق والثبات على دين الله، قولاً لكلمة الحق وصبراً على الابتلاء، أو قياماً بأمر الله سبحانه، إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، جرأة في دين الله تبارك وتعالى، ونصرةً لهذا الشرع القويم.
نقف مع قصصٍ فيها مواقف وفيها فوائد، وفيها تأملات، ينبغي أن نتريَّث ونتأمل فيها، فما أحوجنا إليها في هذا الزمان الذي اختلطت فيه الأمور، وتشابكت، حتى ما عاد كثير من الناس يعرف الحق أين هو، وما عاد كثير من الناس يثق في وعد الله تبارك وتعالى.