فهرس الكتاب

الصفحة 8934 من 9994

ففعل حسان وإن كان فيه التعبد بالرد فإنه لا يصح أن يقاس عليه جعل الأناشيد وسيلة دعوية؛ لأنَّهما متغايران؛ لكون فعل حسان ردًّا على الكافرين وفعل هؤلاء جذبًا للفاسقين, ثُمَّ على فرض -جدلاً- التساوي بينهما, فإن ترك الرسول وأصحابه لِهذا العمل وهو الْمُسمى بالسنة التركية مقدم على القياس بل ويُحكم عليه بالفساد كما بين ذلك الْمُحققون كابن تيمية وابن القيم (14) .

قال الشاطبِي: منها الْمُنافحة عن رسول الله ج وعن الإسلام وأهله, ولذلك كان حسان بن ثابت - رضي الله عنه - قد نصب له منبر فِي الْمَسجد ينشد عليه إذا وفدت الوفود, حَتَّى يقولوا: خطيبه أخطب من خطيبنا, وشاعره أشعر من شاعرنا, ويقول له - عليه السلام: اهجهم وجبريل معك، وهذا من باب الْجِهاد فِي سبيل الله, فليس للفقراء (15) من فضله فِي غنائهم بالشعر قليل ولا كثير. (16) ا'.

وبعد تفنيد هذه الشبه يتبين أن هذه الأناشيد مُحرمة تَحريْمًا شديدًا لِما يلي:

1-أنَّها بدعة مُحدثة, كما سبق .

2-أنَّها تصد الناس عن القرآن وذكر الله, فمن اعتادها ثقل القرآن على قلبه، وهذا شيء ملحوظ ملموس ذكره كافٍ عن البرهنة عليه.

قال الشافعي:"خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يزعمون أنه يرقق القلوب, يصدون به الناس عن القرآن".

وهذه الأناشيد يزعم أصحابُها أنَّها ترقق القلوب وصدوا بِها الناس عن القرآن, لاسيما أولئك الذين أقاموا المهرجانات الإنشادية، وجَمعوا الناعقين من أماكن مُختلفة, وحاكوا فِي فعالِهم الْمُغنين الْمَاجنين, فيا إلَهي ما أحلمك وأشد صبرك لِمن زعم هذا الفعل إسلاميًّا وتدين به لك!!

أما الأناشيد الْمُنتشرة -الآن- فِي التسجيلات الإسلامية فكثير منها تلحن تلحين الأغانِي الْمَنصوص على حرمتها (17) فهذه مُحرمة على كل حال لِما فيها من التشبه بالْحَرام (18) والفساق, فإذا اتُّخذت وسيلة دعوية زادت حرمتها حرمة, فكيف إذا كان الْمُنشدون مردانًا وفتيات وأصحاب أصوات فاتنة قد زادها أصحابُها فتنة بالتمطيط والتمييع؟

أم كيف إذا كان الْمُنشد الناعق يُخرج نفسه منشدًا فِي أفلام مرئية متنقلاً بين الأزهار والأشجار والأحجار تشبهًا منه بالْمُغنيين الفاسقين الْمَاجنين؟

فما أشد الْخَيبة والعار إذا كان هذا كله يصدر من أناس ظاهرهم الْهِداية والاستقامة!! ألا تابوا وأنابوا، ومن ربِّهم خافوا.

الفصل الثالث

بعض فتاوى أهل العلم الْمُعاصرين

قد تواترت فتاوى كثير من علماء العصر على تَحريْم هذه البدعة والتحذير منها, ومن هؤلاء العلماء:

1 -الشيخ العلامة الْمُحدث مُحَمَّد ناصر الدين الألبانِي -رحِمه الله-:

قرر بدعيتها فِي كثير من مسجلاته الصوتية, وفِي كتابه تَحريْم آلات الطرب (ص158) .

2-الشيخ الْمُجاهد حَمود التويْجري -رحِمه الله-:

له فِي ذلك رسالة بعنوان"إقامة الدليل فِي الْمَنع من الأناشيد الْمُلحنة والتمثيل"بيَّن فيها كونَها من البدع الصوفية.

3-شيخي الفقيه العلامة الفهامة مُحَمَّد بن صالح آل عثيمين -رحِمه الله-:

قال فِي فتاوى العقيدة (ص651) : الإنشاد الإسلامي إنشاد مبتدع مِمَّا ابتدعته الصوفية, ولِهذا ينبغي العدول عنه إلَى مواعظ القرآن والسنة، اللهم إلا أن يكون فِي مواطن الْحَرب ليستعان به على الإقدام والْجِهاد فِي سبيل الله تعالَى فهذا حسن, وإذا اجتمع معه الدف كان أبعد عن الصواب. ا'.

ولا تنس أن الشيخ فِي إنكاره على الْمَدعو مساعد الراشد -كما سبق نقله- حرم ما كان على ألْحَان الأغانِي, ثُمَّ إن له كلامًا آخر جوز فيه بعض صور الأناشيد فليجمع مع كلامه هذا ثُمَّ يطبق على واقع الأناشيد الحالية.

4-سَماحة الْمُفتِي العام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ -حفظه الله-:

فقد نص على بدعيتها فِي عدة فتاوى, راجع شريط أقوال العلماء فِي الأناشيد والتمثيل (19) .

5-شيخي العلامة صالِح الفوزان -حفظه الله-:

قرر فِي بَحث له مفيد أنَّها بدعة صوفية مُحرمة (20) .

6-شيخي عبد الرحْمَن البراك -حفظه الله-:

سَمعته ينص على أنَّها بدعة صوفية.

7-الشيخ بكر أبو زيد -عافاه الله-:

كما فِي حاشية كتابه تصحيح الدعاء (ص311) .

8-فضيلة الشيخ صالِح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-:

نص على حرمتها, راجع شريط أقوال العلماء فِي الأناشيد والتمثيل.

9-شيخي عبد الله بن صالح العبيلان -حفظه الله-:

لَمَّا سألته عن حكمها أملى عليَّ ما نصه: لا يَخلو حكمها عن أحوال ثلاثة:

الأولَى: أن يكون على وجه التدين؛ فهذا مُحرم؛ لأنه من عمل النصارى فِي كنائسهم, والرسول قال:"من تشبه بقوم فهو منهم".

الثانية: أن يتخذ وسيلة للدعوة؛ فهذا مُحرم أيضًا؛ وذلك لأن وسائل الدعوة الَّتِي يتعبد الله بِها لابد فيها من التوقيف.

الثالثة: ألاَّ تفعل على وجه التعبد؛ فلا بأس من فعلها بشرط ألا تغلب على ما أمر به العبد من ذكر الله.

أَبَعْدَ هذا هل لا يزال طائفة من الناس مُصرين على استخدام الأناشيد وسيلة من وسائل الدعوة؟ هذا ما لا أرجوه؛ لأنه أقل ما يقال -لِمن لَمْ يقنع بِهذا الكلام-: إنَّها من جُملة الشبهات، وطريقة أهل الإيْمان: تَجنبها كما قال رسول الله ج فِي حديث النعمان بن بشير:"ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فِي الشبهات وقع فِي الْحَرام".

علمًا أن كثيرًا من هؤلاء العلماء كان كلامهم هذا عن الأناشيد قبل حدوث التطورات الْجَديدة فيها خلال هذه السنين الْمُتأخرة وقبل توسع الْمُنشدين -هداهم الله- حَتَّى إن بعض الأناشيد صاحبها دف -نسأل الله السلامة- وإن للأناشيد مفاسد أخرى تركتها اختصارًا تَجدها مذكورة فِي كتاب"القول الْمُفيد فِي حكم الأناشيد"جزى الله الْمُؤلف خيرًا.

خلاصة البحث:

أنَّ الأناشيد إنْ كانت على ألْحَان الأغانِي فهي مُحرمة مطلقًا -وهذا هو واقع أكثر الأناشيد اليوم-، وإن لَمْ تكن على ألْحَان الأغانِي فإن الْمُحرم منها ما جعل وسيلة دعوية, فمن سَمعها تسلية غير داخل فِي الإثْم مع كون الْمُنشد نفسه آثِمًا؛ لأنه فِي الأصل لَمْ ينشده إلا دعوة.

ختامًا

فإنِّي أدعو الْمُنشدين والْمُستمعين لِهذه الأناشيد والبائعين لَها فِي التسجيلات أن يقلعوا عن هذا الفعل الوخيم, وأن يستشعروا معصيتهم للرب العليم؛ إذ هي أشد إثْمًا من الأغانِي الْمَاجنة.

قال العلامة فضيلة الشيخ صالِح الفوزان -حفظه الله-:"إن هذه الأشياء -أي: الأغانِي الْمَاجنة- لا يَجوز سَماعها والاشتغال بِها, لكن ليس البديل منها أناشيد أخرى قد يكون استماعها أشد إثْمًا إذا عددناها دينية وسَميناها إسلامية؛ لأن هذا يعد ابتداعًا وتشريعًا لَمْ يأذن الله به, والبديل الصحيح هو تسجيل القرآن الكريْم والأحاديث النبوية والْمُحاضرات فِي الفقه والعقيدة والْمَواعظ النافعة, هذا هو البديل الصحيح, لا أناشيد الصوفية وأشباههم" (21) ا'.

وما ذكره الشيخ حق لا مرية فيه فإن البدعة أشد إثماً من المعصية الشهوانية بالإجْمَاع.

قال ابن تيمية:"أهل البدع شرٌ من أهل الْمَعاصي الشهوانية بالسنة والإجْمَاع" (22) ا'.

وقال ابن القيم:"بل ما أكثر من يتعبد الله بِما حرمه الله عليه, ويعتقد أنه طاعةٌ وقربةٌ, وحاله فِي ذلك شرٌّ من حال من يعتقد ذلك معصيةً وإثْمًا, كأصحاب السماع الشعري الذي يتقربون به إلَى الله تعالَى, ويظنون أنَّهم من أولياء الرَّحْمَن, وهم فِي الحقيقة من أولياء الشيطان" (23) ا'.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت