*قال الإمام ابن القيم- رحمه الله- في كتابه مدارج السالكين (2/ 240) [فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه وأنفع له من خصومة من جرى على يديه فإنه وإن كان ظالما فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه قال تعالى { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } . فأخبر أن أذى عدوهم لهم وغلبته لهم إنما هو بسبب ظلمهم وقال الله تعالى { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ا.هـ
* وقال في كتابه إغاثة اللهفان (2/ 182) [وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل قال الله تعالى { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال تعالى { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله أو بإدالة عدوه عليه فإنما هي بذنوبه إما بترك واجب أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه] ا.هـ
وقد ضلت عدة طوائف عندما أرادت تشخيص داء المسلمين فقالت طائفة (إن ضعف المسلمين راجع إلى تغلب الحكام الظلمة وأول من يكذِّب هؤلاء كتاب الله إذ قال تعالى {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} إذاً ولّى الله عز وجل الحكام الظالمين عقوبة منه على عباده الذين ظلموا أنفسهم بعدم قيامهم بدين الله سبحانه وتعالى. فلما أخطأت هذه الطائفة وظنت أن ضعف المسلمين راجع إلى حكامهم صار ديدنهم وكلامهم صباح مساء هو في الحكام.
قال الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة (2/177 - 178) . [وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم فإن استقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم مالهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك فلما شابوا شيبت لهم الولاة فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلا عن مثل أبى بكر وعمر بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها] .
انظر إلى كلام هذا الإمام الراسخ في العلم والناطق بالحكمة والبيان من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كيف بين لنا بأن حكامنا هم من جنسنا وهم عقوبة لنا فإن كنا لله طائعين وعلى الطريق المستقيم سائرين فإن الله يمن علينا بحكام هذا هو جنسهم. فمن علق مصاب المسلمين بالحكام فحسب فهو مخطئ غير مصيب وهو خارج عن الطريق المستقيم.
* وزعمت طائفة أن ضعف المسلمين راجع إلى قوة العدو وإلى أسلحة العدو وإلى مخططات العدو فلذلك صاروا مشتغلين ليل نهار بتتبع أخبار العدو وبتتبع ما عنده من قوة فهذا في الواقع تشخيص خطأ غير صحيح انبنى عليه أمر آخر خطأ وهو تتبع أخبار الكفار وإنك إذا نظرت إلى كتاب الله وجدت ربك يقول سبحانه وتعالى { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} فإذا رجعنا إلى الله فوالله إن مخططات أعدائنا لا تنفعهم شيئا فهم يمكرون والله يمكر وهو خير الماكرين.
* وقالت طائفة إن ضعفنا راجع إلى عدم اجتماعنا فصاروا يدعون الناس إلى الاجتماع ولو على اختلاف العقائد فيدعون السني أن يجتمع مع الحزبي الحركي الضال ومع الصوفي الهالك الفاسد بل و مع الرافضي البدعي فلا ينظرون إلا إلى كثرة وتجمع المسلمين لأنهم ظنوا أن ضعف المسلمين راجع إلى تفرقهم وهذا خطأ يبين خطأه كتاب الله كما قال تعالى { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً } [التوبة: 52] لا إله إلا الله !! كانوا يوم حنين كثيرين ومع ذلك لم تنفعهم كثرتهم لمَ ؟ لأنهم وقعوا في ذنب العُجب فذنب واحد كالعجب فرق صفهم وبدد شملهم فكيف بالشرك ؟! الذي شرق وغرب في بلاد العالم الإسلامي إلا ما رحم الله ، فلأجل هذا وما نعيشه من ضعف المسلمين عامة وفى بلاد العراق خاصة وبالأخص في بلاد الفلوجة التي تسلط عليها الكفرة الفجار من الأمريكان وأعوانهم من البريطانيين وغيرهم فأحب أن أقدم بمقدمات قبل أن أدخل في الموضوع نفسه:ـ
المقدمة الأولى ـ الجهاد نوعان: جهاد طلب وجهاد دفع وجهاد الطلب أمر مطلوب في الشرع وله شروطه وهو فرض كفاية وأحيانا يكون فرض عين بحسب الأحكام الشرعية إلا أنني لا أحب أن أطيل فيه لمَ ؟ لأن المسلمين في هذا الزمن لا يناشدون جهاد الطلب وإنما هم يناشدون جهاد الدفع فالنوع الثاني هو جهاد الدفع، وجهاد الدفع واجب على الأعيان باتفاق وإجماع أهل العلم حكى الإجماع الإمام ابن تيمية وغيره من أهل العلم فهو واجب شرعي فكلما هجم عدو على بلد من بلاد المسلمين فيجب على المسلمين أجمعين في تلك البلد أن يقفوا تجاه عدوهم فإن لم يكونوا مستطيعين فيجب على من يليهم من بلاد المسلمين أن يقفوا معهم ولكن !! اعلموا أن جهاد الدفع الذي هو واجب وجوباً عينياً معلق بالقدرة فمن لم تكن عنده قدرة ولا استطاعة فيسقط عنهم هذا الجهاد كما أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ونص على ذلك وكرره وأعاده كثيراً شيخنا الإمام محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-فقال في الشرح الممتع (8/9) :[لابد فيه من شرط وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة لأنهم عاجزون ضعفاء فلما هاجروا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة لقول الله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . ولقوله تعالى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}