فهرس الكتاب

الصفحة 8903 من 9994

وأجدني محتاجاً إلى التنبيه مرة أخرى إلى أن النساء مختلفات الطباع، فبعض النساء قد لا يصبرن طويلاً عن المعاشرة، وبعضهن قد يصبرن، ولكن مهما كان فإن المرأة في الجملة تحتاج إلى زوجها ولو قسى عليها أحياناً لأنها ضعيفة تفتقر إلى الإيواء والاهتمام والعطف والتودد، وتحس بالوحشة والأرق إذا ابتعد عنها زوجها ولو لفترة قصيرة، فكيف بما يفعله البعض من الهجر الطويل دونما سبب؟

وتأمل هذا الأثر الذي يبين مدى حاجة المرأة إلى زوجها.. لعل فيه تحريكاً لمشاعر البعض وتنبيهاً للغافلين الذين لا يعرفون العواقب التي قد يؤدي إليها الهجر إذا كان على غير الهدي الرباني..

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيراً، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها وقد ذهب زوجها إلى الجهاد فسمعها عمر وهي تقول..

لقد طال هذا الليل واسود جانبه وأرّقني ألاً ضجيع ألاعبه

فوالله لولا الله أني أراقبه لحرّك من هذا السرير جوانبه

ثم تنفست الصعداء، وقالت: أشكو عمر بن الخطاب وحشتي في بيتي وغيبة زوجي عني، وقلة نفقتي، فلانَ لها عمر ـ رضي الله عنه ـ فلما أصبح بعث إليها بكسوة وكتب إلى عامله أن يسرح إليها زوجها.

وقد سأل عمر ابنته حفصة كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك [20] .

ومن خلال هذا المنطلق يجب أن يعلم أن هجر الزوجات إن لم يكن محاطاً بالحدود الشرعية فإنه قد يؤدي إلى نتائج سلبية يخسر بسببها المرء دينة ودنياه والعاقل خصيم نفسه.

مسافرة!!!

سفر المرأة من غير محرم لها هو في الحقيقة أمر يحتاج إلى تأمل وطول نظر ويحتاج إلى عقلاء قوم يقدرون للقضية قدرها فإنها قد انتشرت في مجتمعاتنا وتنوعت أسبابها، فما إن تصعد طائرة من الطائرات حتى تجد سرباً من النساء من غير محارم لهن ينتقلن من بلد إلى بلد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم" [21] .

وقال ابن عباس رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول:"لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال:"انطلق فحج مع امرأتك" [22] .

وقد نبه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام على ذلك لأن المرأة إناء زجاجي رقيق سهل الانكسار، فإذا نالته الأيدي العابثة جعلته قطعاً وأشلاءً متناثرة، وقد تنوعت الأسباب الدافعة إلى سفر النساء من غير محارم، فبعض الناس يكون متزوجاً بامرأة من غير بلده وبحجة أنه ليس عنده إجازة أو مراعاة للمصروفات المادية فإنه يأخذ بيد زوجته إلى المطار حتى يوصلها إلى مدخل الطائرة ظاناً أنه في ذلك قد حقق السلامة، وحين تكلمه في هذا الأمر يقول: والله ليس عندي وقت ويعتمد على أن أخاها ينتظرها في المطار، وأكثر هؤلاء دُخِل عليهم من شبهة وهي أن المسافة قصيرة في الطائرة والأحاديث سفر المرأة من غير محرم هي في السفر الطويل، ولا يعلمون أن السفر هو السفر.. بأي وسيلة كانت، مهما كانت المسافة.

ولا يراعي هذا وغيره أن الطائرة ربما يتغير اتجاهها لسبب ما فتضطر إلى أن تهبط في بلد آخر أو مدينة أخرى ليس للمرأة فيها أحد من ذويها وهذا بحد ذاته فتنة لها، ثم أيضاً وجود المرأة وحدها في الطائرة فتنة لها فقد يتعرض لها المضيف أو رجل مسافر يراها فريسة سهلة فتنشأ بينهما علاقة، وذلك بسبب مَن؟!

بسبب ذلك الوليّ المتساهل الذي عمد إلى هذا الفعل المشين وتركها تسافر وحيدة، ولولا هذا الأمر لما حذر منه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام الذي ما ترك طريق خير إلا ودلنا عليه، ولا طريق شر إلا وحذرنا منه.

ويحق لك أن تبكي حين ترى أكثر من ذلك: من سفر بعض النساء وحيدات إلى بعض البلاد التي يسمونها بلاداً سياحية.

فحين ركوبك على متن الطائرة سترى أعداداً من النساء ذهبن من غير رجال إلى أين؟ إلى السياحة!!

وانظر إلى ما يفعلن في تلك البلاد من سلوكيات مشينة وعلاقات رديئة ومعاشرة للرجال الأجانب وخيانة للأزواج المغفلين، بل وبعضهن يدخلن حانات الخمور عابثات لاهيات وهذا أمر لا ينكره منكر، ولو فكرت جيداً لوجدتها معادلة مستقيمة: فإذا سافر الرجل للسياحة ألا يكون هذا مراده منها؟ وحقيقة أنك لا تستطيع أن تتصور أن هذا الزوج لا يعلم بما تفعله زوجته فهو الذي أذن لها بالسفر والانحلال.. ولكنها الدياثة هي التي أوصلته إلى هذا الحد.

ومما يحزن أيضا أن التساهل وصل إلى أكثر من ذلك فيما يفعله بعض الآباء الذي ما إن تنهي ابنته دراستها الثانوية حتى يأخذها من يدها يركض بها يميناً وشمالاً يسعى سعياً حثيثاً ويتعب الخطى من أجل أن يبعثها للدراسة في الخارج حتى تحصل على شهادة جامعية من بلد راقٍ في التعليم!! وإذا خاصمته في ذلك وناقشته قال: إن ابنتي ثقة ومتدينة فإذا قلبت النظر وجدتها سافرة متبرجة ولكن هذا وكثيراً من أمثاله يتبجحون بقولهم أن الإيمان في القلب حتى وإن كان المرء لا يصلي ولا يصوم ولا يفعل شيئاً من أعمال الإسلام بل إن بعضهم يتصور أن الدين هو (طيبة القلب) !!.

فإذا كانت هذه المرأة هذه صفاتها في بلادها فماذا عساها أن تفعل إذا اغتربت؟!!

فيزج بها ذلك الوالد الغافل المضيع للأمانة إلى الخارج تعاشر الشباب وتجلس معهم وتضحك معهم، وتأمل حالها إذا داهمتها الوحدة أو أصابتها حالة فزع في ليلة من ليالي الغربة إلى أين تذهب في ذلك البلد الأجنبي الذي لا أم لها فيه ولا أب؟

لعلها أن تأوي إلى حضن صديق من بلادها، وليس لك حق أن تعترض أو تستغرب فهو أخوها في الوطنية!!! يالسفاهة العقول.

ثم ماذا ترجو من مثل هذه إذا رجعت إلى بلادها..؟

هل تتصور أنها تكون مربية للأجيال تربية صالحة؟

هل ستوصي طالباتها بالعفاف والحشمة والستر والأخلاق الحسنة وهي تفتقد كل ذلك، متبرجة سافرة متبذلة قد سافرت وحيدة إلى البلاد البعيدة تتسكع يميناً وشمالاً.

هل ترجو منها أن تأمرهن بأداء الفرائض والكف عن المحارم وهي لم تتعلم من هذا شيئاً؟

أم هل تأمل أن تكون أماً صالحة تربي أبناءها وتخرج الأجيال وهي لم تتعود على الأمومة ولم تحس بإحساسها؟!

ثم إنك لو نظرت إلى بلادنا الإسلامية نظرة تأمل لوجدت أن كل ما حدث فيها من التبرج والسفور والانحلال وراءه امرأة ممن درسن في الخارج، فكثير منهن عندما رجعن من فرنسا وبريطانيا وغيرها من البلاد المنحلة، قمن بإحراق العباءة وإلغاء الخمار وخلعن الحجاب الشرعي، وظهرن متبرجات متسكعات يدعين النساء إلى مثل فعلهن المنكر فحدث ما ترى.

فكيف تبني الأجيال على أيدي هؤلاء الساقطات؟

ولم أر للخلائق من محل يهذبها كحضن الأمهات

فحضن الأم مدرسة تسامت بتربية البنين أو البنات

وأخلاق الوليد تقاس حسنا بأخلاق النساء الوالدات

لاشك أن هذه قضية خطيرة قد توسع فيها الناس على درجات متفاوتة فمن مقل ومستكثر، فيجب على المسلم التّقي أن يحرص على محارمه وأن يحفظ الأمانة التي استرعاه الله عليها.

وإذا رأيت الرجل يترك أخته أو ابنته أو زوجته تسافر من مكان إلى مكان وحيدة فاعلم أنه لا غيرة عنده، ولا خير فيمن لا يغار.

نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يهدي ضال المسلمين.

العفة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت