فهرس الكتاب

الصفحة 8902 من 9994

فعلى المرء المسلم الانتباه والحذر، وأن يصون أهله من الرذائل ومنكرات الأخلاق، قال صلى الله عليه وسلم:"ما من عبد يسترعيه الله رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" [8] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" [9] .

فأيّ غش أعظم من إهمال المرء لأهله والبحث عما يصلح أحوالهم؟

إن في ما ذكر لعبرةً لمن اعتبر فهل من متأمل؟!.

هجر الزوجة

لقد جعل الله جل وعلا الحياة الزوجية قائمة على المودة والرحمة، فالرجل يحتاج إلى المرأة، والمرأة تحتاج إلى الرجل، فلا يستغني كل منهما عن صاحبه، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [10] .

فجعل الله المرأة سكناً للرجل يأوي إليها بعد التعب والمشقة لا سيما إذا كانت لطيفة المعشر صالحة متوددة إلى زوجها تحرص على راحته كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك" [11] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"خير نساءكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله..." [12] .

ولكن مع الأسف الشديد إن كثيراً من الناس نسي هذه الغاية العظيمة من الزواج فأساء التصرف مع زوجته، وهذه الكلمات هي عبارة عن شكاية وردت على لسان كثير من النساء اللاتي ابتلين بأزواج لا يحسنون التصرف معهن وبالذات في نقطة خطيرة قد تؤدي إلى نتائج مفجعة، وذلك أن كثيراً من هؤلاء الأزواج هجر زوجته في الفراش ولم يعطها حقها في الجماع والمعاشرة مما أدى فعلاً إلى انحراف بعض النساء.

ومما يجب التنبيه عليه هو أن النساء تختلف أحوالهن من امرأة إلى أخرى في الحاجة إلى المعاشرة فبعضهن قد يصبرن طويلاً وبعضهن لا يصبرن والزوج هو أعلم بحال زوجته، وهذا أمر لا يمكن أن يتصور جهله، زد على ذلك أن هذا الأمر له آثار نفسية إيجابية فهو من أسباب المودة والألفة والاستقرار النفسي الذي تحتاج إليه المرأة.

ألا ترى أن المرأة تغتاظ إذا تزوج عليها زوجها؟

ذلك لأنها تخشى أن تشاركها تلك المرأة في زوجها الذي تحس بأنه ملكها وحدها، ولأن المرأة تحتاج إلى ركن شديد تأوي إليه وتأمن عنده، فتجد أنها إذا هجرها زوجها تتأثر نفسياً ويهاجمها الإحساس بالوحشة والوحدة وعدم الاستقرار.

وقد تنوعت الدوافع التي أدت ببعض الأزواج إلى هجر زوجاتهم، وعند التأمل تجد أنها تدور حول الجهل بالآثار المترتبة عليه أو الخطأ في تطبيقه بالنسبة لمن اتخذه وسيلة لتأديب زوجته.

فمن هؤلاء الأزواج من يسافر الشهر والشهرين إما بحجة التجارة، أو السياحة، أو لهفاً وراء الدنيا لغير حاجة، أو للبحث عن الفجور والشهوة المحرمة ويترك زوجته وحدها فهي إن لم يثبتها الله جل وعلا ستنزلق قدمها.

ومن هؤلاء من يحترف الفجور والفسق في بلده ويعاشر النساء في الحرام فإذا رجع إلى أهله رجع منهكاً متعباً قد أشبع غريزته البهيمية من البغايا الفاجرات فلا تميل نفسه إلى زوجته لأنه اكتفى بغيرها، بل ولعله يرى في هؤلاء الفاجرات ما لا يراه في أهله بسبب إغواء الشيطان له وترغيبه له في الفواحش.

ومن هؤلاء من لا يكون فاجراً يرتكب الفواحش ولكنه ظالم، فهو حين يتزوج على زوجته يجور ولا يعدل، فيميل إلى الجديدة، فالمبيت لها والمعاشرة لها، وربما يبيت عند زوجته الأولى الليالي ذوات العدد فلا يعاشرها فتحترق المسكينة من الداخل ولكنها تستحي أن تصرح له بحاجتها لأن هذا أمر لا يجهله عاقل.

تقول إحداهن:"تزوج زوجي من امرأة أخرى وهجرني، ووالله ستة أشهر لم يأتيني، ويعلم الله أنني أعاني أشد المعاناة ولكنني أستحي أن أصرح له بذلك فهو يعرف حاجتي إليه، ثم هو لا يأبه بي لأنه يعرف أنه ليس لي أحد أذهب إليه فأنا وحيدة، وإلا لطلبت الطلاق".

وعموماً فهذا مثال واحد يمثل شريحة واسعة وإلا فالشكاوى كثيرة من هذا النوع، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل" [13] .

وبعض الأزواج يستعمل الهجر لتأديب زوجته وهذا أمر مشروع ولكن له ضوابط، فإن الصحيح أن المرأة إذا نشزت على زوجها فعليه أن يتدرج في علاجها كما بين ذلك ربنا جل وعلا في قوله: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً} [14] .

"فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المعرضة عنه المبغضة له فمتى ظهر منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله عند عصيانه فإن الله أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال" [15] .

فإن لم ترتدع بالموعظة فينتقل إلى الخطوة التالية وهي الهجر في الفراش قال ابن عباس:"الهجر هو ألاّ يجامعها ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره"، قال:"ولا يكلمها ولا يحدثها".

ومن آداب الهجر أن لا يهجر إلا في المنزل لما جاء في الحديث:"يا رسول الله: ما حق امرأة أحدنا عليه؟"قال:"أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتست ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" [16] .

وبعض أهل العلم قالوا بجواز الهجر داخل المنزل وخارجه وأرجعوا ذلك إلى أنه يختلف باختلاف الأحوال فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها،"ولأن هجران النساء مع الإقامة معهن في البيوت آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن بما يقع من الإعراض في تلك الحال..." [17] .

ولعل الهجر في المنزل أولى ـ والله أعلم ـ لحكم متعددة منها:

أنه إذا كان الزوج قريباً من المرأة فإنها متى ما ندمت وأرادت أن تسترضيه وجدته بجانبه، أما إذا كان بعيداً فلعل هذا من شأنه أن يصعد المشكلة فتزداد المرأة عتوا ونفوراً لتصورها أن هذا الفعل إهانة لها.

ويجوز للرجل أن يهجر المرأة إلى أربعة أشهر إذا كان مقصده التأديب لا التشفّي بها وهي أقصى مدة، وقد استخلص أهل العلم هذا الحكم من قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهن تربص أربعة أشهر..} [18] .

فإذا فاءت ورجعت إلى طاعته خلال الفترة فلا يجوز له هجرها بل يجب عليه أن يرجع لها حقوقها وعلى رأسها حقها في الفراش لقوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} .

أما إذا استمرت المرأة في نشوزها حتى تجاوزت الأربعة اشهر فهذا معناه أن الهجر لم يفد، فينتقل إلى الخطوة التالية وهي الضرب، ويكون ضرباً غير مبرح، (أي غير مؤثر فلا يكسر لها عضواً ولا يؤثر فيها شيئاً) .

لأن الضرب أثره النفسي أشد من الجسدي، فبعض النساء لو أشار الزوج بيده في وجهها لبكت ولم تحتمل بل واعتبرت ذلك من أشد الإهانات.

قال ابن كثير:"فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك وليس له ضربها ولا هجرانها، وقوله: {إن الله كان علياً كبيراً} ، تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممّن ظلمهنّ وبغى عليهن" [19] .

والخطأ الذي يحصل أن بعض الأزواج لاستغنائه بامرأة أخرى أو لسبب آخر فإنه يستمر في هجر زوجته حتى وإن رجعت إلى رشدها واستقامت على طاعته، وذلك على حد زعمه جزاء لها حتى تتأدب ولا تكرر نشوزها وهذا لا يجوز، لأن الهجر وضع لعلة، فإذا زالت هذه العلة انتهى الهجر الذي وضع بسببها، ووجب عليه إعطاؤها حقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت