فهرس الكتاب

الصفحة 8783 من 9994

إن أهل العراق كغيرهم أصحاب آراء مختلفة ومناهج متنوعة ، لكنها توحدت عند لقاء العدو .

فما أجدرنا أن تتوحد كلمتنا ونبتعد عن كل صور الاختلاف والتنازع فهما من أسباب الفشل والهزيمة (( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ) (لأنفال: من الآية46) .

وحينما ندعوا إلى وحدة الصف واجتماع الكلمة فلا يعني أن نلتقي مع أصحاب المذاهب المنحرفة والأفكار الضالة وأن نتنازل لهم عن مبادئنا وثوابتنا لكي نلتقي معهم عند نقطة واحدة .

إنه الالتقاء مع الرافضة أعداء الله ورسوله ، ولا لقاء مع العلمانيين المنافقين إلا في ميدان الدعوة والجدال ، أو على ساحات القتال .

وحدة الصف واجتماع الكلمة هي دعوة لأهل السنة وأصحاب المنهج الواحد وإن تنوعت آراؤهم واختلفت وجهات نظرهم .

أيها المسلمون: وأظهرت الأحداث خللا في مفاهيم الناس وتذبذبا في مواقفهم بسبب خلفية فكرية أو نتيجة اثر في النفس أو بسبب بغض وكراهية لشخص أو جهة أو بسبب تأجج عاطفة ، وهكذا تثور زوابع الهوى كلما اشتد أوار الفتن ، فتسفي التراب في أعين أقوام لا يتبينون الموقف الشرعي للمسلم من حدث أو حرب أو كارثة .

إن الحرب الدائرة اليوم هي بين فريقين: بعث وصليب فأيهما أقرب على الحق ؟

لقد فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس ، لأنهم اقرب على الحق ، وإذا نصبنا هذا الميزان في حرب اليوم وجدنا العراق كبلد وشعب لاقيادة اقرب إلينا ، فالدم الدم ، والهدم الهدم ، وتربطنا بهم رابطة الدين والدم .

ولقد قال المعتمد بن عباد مخاطبا عاذليه مبررا استعانته بخصمه يوسف بن تاشفين على النصارى ( رعي الجمل أحب إلي من رعي الخنازير ) .

ولنحذر كل الحذر أن يحملنا بغض شخص أو فئة على تأييد كافر أو إعانته وتوليه. وقد قال تعالى في الأقربين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (التوبة:23) وقال في الأبعدين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (المائدة:51) .

فلا يحملنا بغضنا للبعث وصدام أن نوالي أمريكا ، كما لا يحملنا بغضنا لأمريكا على مناصرة البعث وحب صدام أو الإعجاب به .

وما أحوجنا إلى أن نزن مواقفنا وأفعالنا بميزان الإسلام بعيداً عن العواطف والانفعالات .

أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم ..

الخطبة الثانية

أيها المسلمون: تسعة أيام مضت أظهرت هشاشة العدو وضعف قدراته وروحه المعنوية ، وأنه يعتمد في حربه على التهويل وتعظيم النفس والقدرات .

طائراتهم الالكترونية تُسقطها بندقية مزارع وبارود امرأة .

ودباباتهم المتقدمة تقصف فإذا هي تضرب أختها ، صواريخهم الذكية أثبتت ذكاءها فسقطت على تجمع لجنودهم .

إنهم قوم يقاتلون بلا هدف ، ولا يرجون من الله جزاء ولا شكورا ولا يخافون يوما عبوسا قمطريرا .

إنهم أحرص الناس على حياة ، يقاتلون بلا مبدأ ، هم أجبن الناس عند اللقاء وأضعفهم عند المواجهة .

يستمدون قوتهم من القوى المادية التي تقف عاجزة أمام قوة الحق والثبات على المباديء .

لقد أثبتت الأحداث أن القوة الصليبية الهائلة بطائراتهم وصواريخهم ودباباتهم ومدمراتهم أصيبت بالذل والخيبة أمام أمة من الناس لاتملك معشار مايملك الأعداء ، وأن سهامهم تكسرت على صخرة الحق وعدالة القضية 0

إن قوة الأعداء مهما بلغت لن تقف أمام قوة المؤمن ، فالمؤمن قوي لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير ويتوكل عليه ويعتقد أنه معه حيث كان وأنه ناصر المؤمنين وخاذل المبطلين (( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (لأنفال: من الآية49) .

والتوكل على الله ليس استسلام متبطل ولا استرخاء كسول ، إنه معنى حافز ، وشحنة نفسية تغمر المؤمن بقوة المقاومة ، وتملؤه بروح التحدي والإصرار ، وتشحذ فيه العزم الصارم والإرادة الشماء .

وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، والاعتقاد بقدرة الله والتوكل الكامل على الله لاينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق ، فذلك أمر الله الصريح (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ) (لأنفال:60) .

وما يتكل على الله حق الاتكال من لا ينفذ أمر الله ومن لا يأخذ بالأسباب ومن لا يدرك سنة الله التي لا تحابي أحدا ولا تراعي خاطر إنسان .

والمؤمن يستمد قوته من الحق الذي يعتنقه فهو لا يعمل لشهوة عارضة ولا لمنفعة شخصية ولا لعصبية جاهلية، ولكنه يعمل للحق الذي قامت عليه السموات والأرض، والحق أحق أن ينتصر، والباطل أولى أن يندثر (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ) ) (الأنبياء: من الآية18) .

والمؤمن يستمد قوته من إيمانه بقدر الله ن فهو يعلم أن ما أصابه من مصيبة فبإذن الله وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء أو يضروه بشيء لم يتحقق لهم ذلك إلا بما كتب الله (( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ) (التوبة:51) .

والمؤمن يعتقد أن رزقه مقسوم وأجله محدود ، وهذا يعطيه ثقة لا حدود لها وقوة لا تقهرها قوة بشر، وقد كان الرجل يذهب إلى الميدان مجاهدا فيعترض سبيله المثبطون فيقول: علينا أن نطيعه تعالى كما أمرنا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا .

فيذهب المرجفون إلى المرأة يثيرون مخاوفها على رزقها ورزق عيالها فتجيبهم بكل ثقة: زوجي عرفته أكالاً ولم أعرفه رزاقاً، فإن ذهب الأكال فقد بقي الرزاق.

إن المؤمن الذي يستمد قوته من الله ومن الإيمان بالحق والقدر لا يمكن أن تتزلزل له قدم أو يتزعزع له ركن، لا يخشى الناس قلوا أو كثروا، ولا يبالي بالأعداء وإن أرغوا وأزبدوا، انسدت أبواب الخوف كلها في نفسه فلم يعد يخاف إلا من ذنبه ومن سخط ربه .

إذا قيل له إن أعداءك أكثر عددا تلا قول الله: (( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ) (البقرة: من الآية249) .

وإذا قيل له: إنهم أكثر مالاً قرأ عليهم: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (لأنفال:36) .

وإذا حذروه من مكرهم وكيدهم أجابهم بما قال الله: (( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) (آل عمران:54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت