فهرس الكتاب

الصفحة 8666 من 9994

فإننا في هذه الأيام على أبواب عام دراسي جديد يستقبل فيه المعلمون والمتعلمون نشاطهم فيا ليت شعري ماذا أعدوا لهذا العام إنني أوجه خطبتي هذه إلى ثلاثة أصناف من الناس إلى المعلمين وإلى المتعلمين وإلى أولياء أمور المتعلمين فكل هؤلاء كل واحد منهم مسئول عن أمر يتعلق به مسؤول عنه أمام الله عز وجل مسؤول عنه أمام من تولاهم مسؤول عنهم أمام من ولوه أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يدركوا العلوم التي يلقونها إلى الطلبة إدراكا جيدا مستقرا في نفوسهم وذلك بمراجعة ما يريدون أن يبينوه للطلبة قبل ان يقفوا أمامهم حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه لأن من أعظم مقومات الشخصية لدى الطلبة قوة المعلم في علمه وملاحظته ولا تنقص قوته العلمية في تقويم شخصيته عن قوة ملاحظته إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره في أعين تلاميذه فإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا به بعد ذلك وإن انتهرهم عند السؤال و المناقشة فلن ينسجموا معه إذاً لابد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر وإن بعض المعلمين الذين أخفقوا في تعليمهم يأتون إلى المدرسة وهم لا يعرفون عن ما يريدون أن يقرروه على الطلبة شيئا وهذا لاشك إخلال بالأمانة من وجه وإضرار بالتلاميذ وإضرار بأنفسهم أيضا وإن بعض المعلمين لن يتحمل أن يناقشه الطالب وهذا خطأ عظيم اللهم إلا إذا تبين أن الطالب يريد الإعنات والإشقاق أي يريد العنت والمشقة على المدرس فحينئذ لا حرج أن يستعمل ما يكف به هذا الطالب عن السؤال الذي يراد به التعنت أما إذا علم أن الطالب يريد حقاً الاستفادة فإن عليه أن يصبر عليه أن يتحمل حتى يكون قدوة صالحة وإن من إخفاق المدرس إذا سئل عن شيء لا يعرفه انتهر الطالب وقال اجلس ليس هذا موضع نقاش أو ما أشبه ذلك من العبارات التي ينتهره فيها وهذا قد عصى الله عز وجل في قوله ? وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ? [ الضحى: 10] فهذه الآية الكريمة تشمل السائل سائل المال وسائل العلم لا يجوز للإنسان أن ينتهر سائلا للمال أو العلم إلا إذا علم أن المصلحة في انتهاره وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي يلقيه أمام الطلبة فإن عليه أيضا أن يحرص على حسن إلقائه إليهم بأن يسلك أقرب الطرق في إيضاح المعاني وضرب الأمثال ومناقشة الطلبة في ما ألقاه عليهم سابقا ليكونوا على صلة بالماضي ويعلموا أن هناك متابعة من المعلم . بعض المعلمين إذا درس الدرس في الأمس فإنه لن يعيد مناقشة التلاميذ في اليوم التالي وحينئذ لا يهتم التلاميذ بما ألقاه عليهم فينبغي أن يناقشهم في ما سبق ولو ببعض المسائل المهمة حتى ترسخ في قلوبهم وحتى يعلم التلاميذ أن للأستاذ متابعة في ما علمهم إياه وإذا كان على المعلم أن يجتهد في ذلك فعليه أيضا أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الشفيق الرفيق ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم وعليه مع ذلك أن يظهر أمامهم بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل فإن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر من ما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة معبرة عن ما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادات التلاميذ واتجاهاتهم . أما المتعلمون فإن عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في تحصيل العلم من أول العام حتى يدركوا المعلومات إدراكا حقيقيا ثابتا في القلوب راسخا في النفوس لأن الطالب إذا اجتهد من أول العام أخذ العلوم شيئا فشيئا فسهلت عليه ورسخت في نفسه وسيطر عليها سيطرة تامة أما إذا أهمل وتهاون من أول العام واستبعد آخره فإن الزمن ينطوي سريعا وتتراكم عليه الدروس فيصبح عاجزا عن تصورها فضلا عن تحقيقها ورسوخها فيندم حين لا ينفع الندم ويرجع بالفشل والملامة . وإن على المعلمين والمتعلمين جميعا واجبات تجب مراعاتها فإن قاموا بها كانوا محمودين عند الله وكانوا محمودين عند الناس وكانوا محمودين أمام مسئوليهم وبهذا يتم النصح والإخلاص وعلى إدارة المدرسة أو المعهد أو عمادات الكليات أن يراعوا من تحت مسئوليتهم من مدرسين ومراقبين وطلاب وإداريين لأنهم مسئولون عن ذلك أمام الله عز وجل قبل كل شيء ثم أمام من فوقهم من المسئولين ثم أمام الناس أجمعين فعليهم أن يقوموا بمسئولية الأمانة التي حملوها أما أولياء الأمور فإن عليهم واجبات يلزمهم القيام بها عليهم أن يتفقدوا أولادهم وأن يراقبوا سيرهم وأن يعرفوا نهجهم العلمي والفكري والعملي وأن لا يتركوهم هملا لا يبحثون معهم ولا يسألونهم عن طريقتهم ولا عن أصحابهم ولا عن من يعاشرون ويصادقون إن إهمال الأولاد من بنين أو بنات ظلم وضياع ومعصية لما أمر الله به في قوله ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ? [ التحريم: 6] إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حملنا أمانة حيث قال ) الرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته ((11) فكلفنا وحذرنا كلفنا بالرعاية لأهلينا وحذرنا من إضاعة هذه الرعاية لأننا مسئولون عنها يوم القيامة فهذا كلام الله عز وجل ? قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ? [التحريم: 6] وهذا كلام محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنسأل الله بمنه وكرمه الذي حملنا هذه الأمانة نسأله أن يعيننا على أدائها اللهم أعنا على أداء الأمانة اللهم أعنا على أداء الأمانة اللهم وفقنا بالقيام بالرعاية الحسنة التي تصلح بها أمورنا وتصلح بها أهلونا وترضى بها عنا يارب العالمين إنك جواد كريم واسمعوا قول الله عز وجل ? إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً? [ الأحزاب: 72- 73 ] اللهم اجعلنا من المؤمنين والمؤمنات التائبين يا رب العالمين اللهم اجعل شعبنا مؤمنا بك مخلصا لك متبعا لرسولك اللهم أصلح لنا ولاة أمورنا وأصلح لهم البطانة ويسر لهم الهدى وجنبهم أسباب الردى يا رب العالمين اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم ( 69 ) و أخرجه مسلم في كتاب الزكاة ( 1721) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما.

(2) هذا جزء من حديث ذكره الشيخ رحمه الله تعالى و أخرجه أحمد رحمة الله تعالى في مسنده بطوله ( 20723) وبن ماجه (219) وأبو داود ( 3157 ) والترمذي ( 2606 ) و أخرجه الدارمي في سننه ( 346) من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه.

(3) أخرجه أحمد في مسنده في باقي مسند المكثرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( 9593 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت