فهرس الكتاب

الصفحة 8638 من 9994

فالمفلس في الدنيا: هو الذي لم يبقَ لهُ مالٌ ولا متاع، والشتمُ هو قبيحُ الكلام ، والقذفُ هو الاتهامُ بالزنا، قوله ( أكل مال هذا ) أي: أخذهُ ولم ينوِ ردَّهُ ، سواءً أخذهُ بحقٍ أو بغير حق، قوله ( وسفك دم هذا ) أي: قتلهُ أو جرحه.، قوله (( فيُعطَى هذا من حسناته ) )أي: يكونُ التسديدُ يومَ القيامةِ لأصحابِ المظالمِ ممَّا يملكُ الظالمُ والمعتدي، من الحسناتِ التي قدَّمَها في الدنيا على مقدارِها بالعدل، فإن فَنيت حسناتُهُ قبلَ أن يقضي ما عليهِ ظهرَ حينئذٍ إفلاسهُ على الحقيقة، وبالتالي لا بُدَّ من وفاءِ ما تبقى من المظالمِ التي عليه، ومن ثَمَّ يكونُ التسديدُ عن طريقِ تحملِ خطايا من ظلمهم، ثُمَّ يُطرحُ في النار، ذلكَ هو المفلسُ على الحقيقةِ، إنَّهُ الظالمُ والمعتدي، الذي تذهبُ حسناتُهُ لغيره، بل وتضافُ إليهِ سيئاتِ المظلومين ، فكم من أُناسٍ في هذه الدنيا قد أَرصدوا الأموالَ وكدَّسُوها ، وعاشوا عَيشَ المترفين ، ولكنهم قد يكونونَ من المُفلسين يومَ القيامةِ ، الذين تتلاشى خيراتُهم ، وتذهبُ حسناتُهم إلى من ظلموهم واعتدوا عليهم ، بل إنَّ من الحسرةِ النزولَ إلى الحضيضِ في الإفلاسِ، بحيثُ بعد فناءِ الحسناتِ تُحْمَلُ على الظالمِ سيئاتُ المظلومين، ثُمَّ يُطرحُ في النارِ نعوذُ باللهِ من سُوءِ المنقلب .

أيُّها المسلمون:

إنَّ حقوقَ العبادِ أمرُها شديد، قال عبدُ الله ابن الزبير- رضي الله عنهما-: لما نزلت هذهِ الآية (( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) ) (30 - 31) سورة الزمر .

قال يا رسولَ الله: أيُكررُ علينا ما يكونُ بيننا ، مع خواصِ الذنوب، قال: نعم ليُكرَرَنَّ عليكم حتى يُرَدَّ إلى كلِ ذِي حقٍّ حقه ، قال الزبير: واللهِ إنَّ الأمرَ لشديد .

رواه البيهقي وغيرهِ ( السنن الكبرى 6 / 155 ) .

وكتبَ رجلٌ إلى ابن عمرٍ- رضي الله عنهما-: أن اكتب إليَّ بالعلمِ كله ، فكتبَ إليه: ( إنَّ العلمَ كثيرٌ ولكن إن استطعت أن تلقى اللهَ خفيفَ الظهرِ من دماءِ الناسِ ، خميصَ البطنِ من أموالهم، كافَ اللسانِ عن أعراضهم ، لازمًا لأمرِ جماعتهم فافعل ) سير أعلام النبلاء ( 3 / 222 ) نقلاً أين نحنُ من أخلاقِ السلف ص113.

أيُّها المسلمون:

إنَّ حقوقَ العبادِ لا يضيعُ منها شيءٌ ، فعَنْ عَائِشَةَ- رضي اللهُ عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاثَةٌ: دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) )وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ أَوْ صَلَاةٍ تَرَكَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْفِرُ ذَلِكَ ، وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الْقِصَاصُ لا مَحَالَةَ )) أحمد ( 6 / 240 ) .

قال العلماءُ: حقوقَ العبادِ مبنيةً على المُشاحَّة، وحقوقَ اللهِ مبنيةً على المسامحةِ، أي فيما عدا الإشراكُ به سُبحانه، روائعَ من أقوالِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم- ( ص 404 ) .

وقال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: (( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ) )رواه مسلم .

والجلحاء: هي الشاةُ التي لا قُرونَ لها ، والقصاصُ بين البهائمِ ليس قصاصَ التكليفِ وإنَّما هو قصاصُ مُقابلة .

أيُّها المسلم: إن كانَ عندكَ مظالمُ لغيرك ، أوحقوقٌ فعليك أن تتحللَ منها اليومَ قبلَ العرضِ على الحكَمِ العدل، الذي لا يَظلمُ الناسُ شيئاً، ولكنَّ الناسَ أنفسهم يظلمُون . قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ ،

إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ ،

أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ )) رواه البخاري .

قوله: (( من كانت له ) )بمعنى عليهِ كقوله تعالى: (( وإن أسأتم فلها ) )أي عليها ،

وفي لفظٍ من الحديث: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه ) )وهذا ظاهرُ المعنى .

قوله: (( من عرضه ) )العِرْض بكسرِ العينِ وسكون الراء، هو مكانُ المدحِ والذمِ من الإنسانِ، من جسدهِ أو نفسه، أو خُلُقهِ أو عمله، أو حسبهِ ونسبه.

وقولهِ: (( أو شيء ) )أي من الأشياءِ، قال ابن حجرٍ- رحمه الله-: (( وهو من عطفِ العامِ على الخاص، فيدخلُ فيه المالُ بأصنافه، والجراحاتُ حتى اللطمةِ ونحوها ) ).

فليحذرِ المسلمُ والمسلمةُ من الظلمِ ، فإنَّ الظلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامة ، والظلمُ: اسمٌ للجورِ ومجاوزةِ الحدِّ، ووضعِ الشيءِ في غيرِ موضعهِ الشرعي ،

قال ابن الجوزي- رحمه الله-: (( الظلمُ يشتملُ على معصيتينِ: أخذِ مالِ الغيرِ

بغير حقٍّ ، ومبارزةِ الربِّ بالمخالفةِ ، والمعصيةُ فيه ( أي في الظلم ) أشدُ من غيرها، لأنَّهُ لا يقعُ غالباً إلاَّ بالضعيفِ الذي لا يقدرُ على الانتصار، وإنَّما ينشأُ الظلمُ عن ظُلْمَةِ القلب ، لأنَّهُ لو استنارَ بنورِ الهُدى لاعتبر، فإذا سعى المتقونَ بنورِهم الذي حصلَ لهم بسببِ التقوى ، اكتنفت ظلماتُ الظلمِ الظالمَ، حيثُ لا يُغني عنهُ ظلُمهُ شيئا )) ابن الجوزي- رحمه الله- ص100 ج5 فتح الباري .

نسألُ الله تعالى العفو والعافية، وأن يُعيذنا من حالِ الخاسرين،

وأن يُجنبنا أسبابَ الظُلمِ، وأن يُعيذنا من مصيرِ الظالمين.

أقولُ قولي هذا، واستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ، ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ ،

فاستغفروهُ إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين ، ولا عُدوانَ إلاَّ على الظالمين، وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، (( وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) ) (سورة الأعراف:196) .

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعين- ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلمَ تسليماً كثيرًا .

أمَّا بعد فيَا أيُّها المسلمون:

اتقوا اللهَ تعالى، وخُذوا حذرَكُم من سيئاتِ أعمالكم، وأدُّوا الحقوقَ التي عليكم ، واعتبروا بعملِ الصالحينَ من قبلكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت