فهرس الكتاب

الصفحة 8634 من 9994

لن يغلبَ الكفارُ من قد آمنوا *** باللهِ رباً والرسولِ وصدقوا

حزوا الرقابَ بسيفِ حقٍ قاطعٍ *** أبداً وبالكفارِ لا تترفقوا

لا تَرهبوا الكفارَ مهما أو عدوا *** وتجبروا وتظاهروا وتشدقوا

فالنصرُ موعودُ الإله لحزبهِ *** والوعدُ من ربي الكريمِ مُحقَقَّق

أيُّها المسلمون:

إنَّ لدينا سلاحاً عظيماً لا يزالُ رغمَ قدمهِ يطاولُ أعتى ما اخترعتْهُ قِوى الشرِ من وسائلِ الفتكِ وأدواتِ التدمير، وهو سلاحٌ لا يمكنُ لتقنيتِهم أن تخترعَ له مضاداً، ولا يُمكنُ لوسائلهِم الشيطانيةِ أن تُبطلَ أثرَهُ ومفعولَه، أعني به سلاحُ الشهادةِ والحرصُ عليها، ذلكم السلاحُ الذي يحملُ صاحبَهُ على بذلِ نفسِه والتضحيةِ بها، طلباً للشهادةِ ورغبةً في إحداثِ نكايةٍ في عدوٍ، أو تحقيقِ مصلحةٍ للمسلمين ، قال تعالى: (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ) (سورة آل عمران:169) .

ولذا فإنَّ سلفَنا الكرامَ لمَّا علموا عظمَ مكانةِ الشهيدِ في الإسلامِ، تسابقوا لنيلِها، وإن كانوا ممن عذرَ الله

قال القرطبي في تفسيره (8/226) :"قالَ العلماء: فعذرَ الحقُ سُبحانَهُ أصحابَ الأعذار ، وما صبرتِ القلوبُ؛ فخرجَ ابنُ أمِ مكتومٍ إلى أُحد ، وطلبَ أن يُعطى اللواءُ ،فأخذَهُ مصعبُ بنُ عمير، فجاءَ رجلٌ من الكفارِ فضربَ يدَهُ التي فيها اللواءُ فقطعَها فأمسكَهُ باليدِ الأخرى ، فضربَ اليدَ الأخرى ، فأمسكَهُ بصدره وقرأ: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:144) ، هذه عزائمُ القوم، والحقُ يقول: (( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) )وعمرو بنُ الجموحِ من نقباءِ الأنصارِ أعرجٌ، وهو في أولِ الجيشِ ، قالَ لهُ الرسول r: إنَّ اللهَ قد عذركَ فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة". وتالله لو لم يكن للشهادةِ من فائدةٍ إلاَّ نيلُ رضا اللهِ والجنةِ لكانَ ذاك سبباً كافياً للحرصِ عليها، والعملِ على نيلها، ومع ذلكَ فإنَّ حوادثَ التاريخِ والواقعِ يدلانِ على أنَّ للتضحيةِ بالنفسِ أكبرَ الأثرِ في الحطِ من عزيمةِ الأعداءِ، وإشعارهِم بالهزيمة، إذ ما عساهُم أن يفعلوا مع شخصٍ يطلبُ الموتَ كما يطلبونَ الحياة.

سادساً: أنَّ الذين يُحررون مقدساتِ المؤمنين، هم المؤمنونَ الصادقونَ المجاهدونَ في سبيل الله ، أمَّا المرتدونَ والمنافقونَ الذين لا يُفرِقُون بين الإسلامِ والكفر، ويُوالون أعداءَ الله ويتولونهم، ويرفعونَ شعارَ العلمانيةِ لدولتهِم المنتظرةِ، فهؤلاءِ شرٌ من اليهود .

أيُّها المسلمون:

لقد آنَ للأمةِ أن تستفيقَ من غفلتها، وتتحركَ بالاتجاهِ الصحيحِ لحلِ قضاياها، وأن تعلمَ أنَّ ما أُخِذَ بالقوةِ لا يُستردُ إلاَّ بالقوة، وأنَّ العدوَ لا يفهمُ مصطلحَ السلامِ ولا المفاوضات، وقد تعودَ المسلمون من ربَّهم أنَّهم حين يُحققون أسبابَ النصرِ في أنفسهِم فإنَّهُ ينزلُ النصرُ عليهم مع قلةِ عددهِم وعُدتِهم، يقول الله تعالى: (( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ) (سورة الحج:41,40) .

وتاريخُ الإسلامِ حافلٌ بالبطولاتِ ، وصورِ الصمودِ والثباتِ والتضحيات، فمنَّا خالدُ بنُ الوليدِ الذي شهدَ أكثرَ من مائةِ زحف، وليس في جسدهِ موضعُ شبرٍ إلاَّ وفيه طعنةٌ برمحٍ أو رميةٌ بسهمٍ أو ضربةٌ بسيف ، وما أُثَّرَ عنه أنَّهُ هُزمَ في معركةٍ قط، وحين موتهِ يندبُ نفسَهُ فيقول: وها أنا ذا أموتُ على فراشي كما يموتُ البعير، فلا نامت أعينُ الجبناء !! إي واللهِ فلا نامت أعينُ الجبناء !!!

وبناءً على ما تقدمَ ، فلابدَّ للأمة ِأن تتربى وتُربي أجيالَها على الجهادِ في سبيلِ الله مادياً ومعنوياً، وذلك من خلالِ: إحياءِ روحِ الولاءِ والبراءِ في نفوسِ الناشئة، وتحديدِ الأعداءِ بشكلٍ واضحٍ لا لبَس فيه، وأنَّ الجهادَ في سبيلِ الله ذروةُ سنامِ الإسلام ، والزهدِ في الدنيا والتقللِ منها، ومعرفةِ قدرِها عندَ الله،، وأنَّها معبرٌ إلى الآخرة. وبناءِ الأجسامِ وتعويدِها على الصبِر والتحمل، وتربيةِ الناشئةِ على آياتِ الجهادِ، وغزواتِ المصطفى r، وأهازيجِ الجهادِ ،وحين تصلُ الأمةُ إلى هذا المستوى، وتغيرُ ما بها فإنَّ الله سينصرُها ويمكنُ لها في الأرضِ، لتعودَ لها القيادةُ والسيادةُ، ويتحققَ وعودُ الله لهذا الأمة، حيثُ إنَّ ظهورَ الكفارِ على المسلمين وضعٌ استثنائي كما قال تعالى: (( وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) ) (سورة النساء:141) .

بارك الله لي ولكم .

الخطبة الثانية

يقول الله تعالى: (( لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )مع عظمِ النازلةِ وشدةِ الكربِ، إلاَّ أنَّ لله منناً في طياتِ المِحن، فكم في هذهِ الأحداثِ من النعمِ العظيمة ، والآثارِ الحسنةِ، ومن ذلك:

أولاً: ظهورُ عداوةِ اليهودِ للمسلمين بعد أن كادَ المسلمون يذوبونَ في المجتمعِ اليهودي، نتيجةً للتمازجِ بينهما وكثرةِ التعامل، فجاءت هذه الأحداثُ لتميزَ بين المسلمين والكفار، وتُظْهَرَ اليهودَ على حقيقتهِم الحاقدة ، ممَّا أعادَ الروحَ العدائيةَ لليهودِ إلى قلوبِ أبناءِ الشعبِ الفلسطيني المسلم .

ثانياً: كشفتِ الأحداثُ عن معدنِ الشعبِ الفلسطيني الصامدِ، وأنَّهُ على استعدادٍ للمقاومةِ إلى آخرِ قطرةٍ من دمه، والبطولاتُ والمواقفُ العظيمةُ التي وقعت في جنين وسائرِ الأرضِ المباركةِ ، تبينُ أنَّ الحقَ لا يُغلَبُ ولا ينحني ، لقد شاركَ الأطفالُ والنساءُ في المقاومةِ ، وصبروا على شدةِ الكربِ وعظمِ البلاءِ الذي نزلَ بهم ، وكان بإمكانِهم تسليمُ المخيمِ، والاستسلامُ للعدو، ولكن كان إيمانُهم يأبى عليهم ذلك، ومروءُتهم وشهامتُهم لا تحتملُ الذلَ لأحفادِ القردةِ والخنازير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت