فهرس الكتاب

الصفحة 8616 من 9994

الخائفُ من اللهِ يُبادرُ بالخيراتِ قبل الممات، ويغتنمُ الأيامَ والساعات 0

الخائفُ من اللهِ ذاكرٌ للهِ سبحانه ، وخاشعٌ متذللٌ منكسرٌ بين يديه، وبالجملةِ فإنَّ الخائفَ من اللهِ تعالى ملتزمٌ تقواهُ ظاهراً وباطناً مبادراً إليه، بجميعِ الخيراتِ التي تبلغهُ مأمنه، كما في الحديث: (( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ) )وقد قال ربنا: (( وأمَّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) )، فالذي يخافُ مقامَ ربه لا يقدمُ على معصيةٍ ، فإذا أقدمَ عليها بحكمِ ضعفهِ البشري، قادهُ خوفُ هذا المقامِ الجليلِ إلى الندمِ والاستغفارِ والتوبةِ فضلٌ في دائرةِ الطاعة 0

الخوفُ من اللهِ أيُّها المسلمون هو الحاجزُ الصلبُ أمامَ دُفعاتِ الهوى العنيفة، وقلَّ أن يثبت غيرَ هذا الحاجزُ أما دفعاتِ الهوى ، واللهُ تعالى لم يكلف الإنسانَ ألاَّ يشتجرَ في نفسهِ الهوى، فهو سُبحانه يعلمُ أنَّ هذا خارجٌ عن طاقته ، ولكنَّهُ كلَّفهُ أن ينهاها ويكبحها، ويمسكُ بزمامها، وأن يستعينَ في هذا بالخوفِ ، الخوفُ من مقامِ ربهِ الجليل العظيم 0

أقولُ هذا القولَ وأستغفرُ الله .

الخطبة الثانية

أما بعد: الخوفُ من اللهِ عز وجل عبادةٌ قلبية، لا يجوزُ أن تصرفَ لغيرِ الله ، فاللهُ عز وجل يقولُ لنبيهِ: (( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) ) (سورة الأحزاب:37) ، ويقولُ لعبادهِ: (( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ) ) (سورة التوبة: 13) 0

وإنَّ من أسبابِ إفرادَ الله عز وجل بالخوفِ: علمُ العبدِ أنَّ اللهَ عز وجل وحدهُ الذي يملكُ الضُرَ والنفع ، ولا تتحركُ مثقالَ ذرةٍ ولا أصغرَ منها ولا أكبرَ إلاِّ بمشيئتهِ سُبحانهُ وعلمهِ وحولهُ وقوته ، وفي وصيةِ رسولِ الله r: (( واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلاَّ بشيءٍ كتبهُ الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) )، بل قال اللهُ تعالى لأعظم خلقه: (( قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ) ) (سورة الجن:21) ، وبقدر خوفك من الله يهابك الخلق 0

عن عبدُ الله البعمري الزاهد، قال:إنَّ من غفلتكَ عن نفسكَ إعراضُكَ عن اللهِ بأن ترى ما يسخطهُ فتجاوِزهُ ولا تأمرُ ولا تنهى عن المنكرِ خوفاً ممن لا يملكُ لكَ ضراً ولا نفعاً ، من تركَ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُّ عن المنكرِ مخافةَ المخلوقين، نُزعت منهُ الهيبةَ، فلو أمرَ بعضَ ولدهِ لاستخفَّ به 0

إنَّ الكثيرينَ من المسلمينَ اليومَ ليُشفقونَ من اتباعِ شريعةَ اللهِ، والسيرِ على هُداه ، يشفقونَ من عداوةِ أعداءِ الله ومكرهم ، ويشفقونَ من تألبِ الخُصومِ عليهم ، ويُشفقونَ من المضايقاتِ الاقتصاديةِ وغيرِ الاقتصادية ، وإن هيَ إلاَّ أوهامٌ كأوهامِ قريشٍ يومَ قالت لرسولِ الله r: (( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) )، فلمَّا اتبعت هُدى اللهِ سيطرت على مشارقِ الأرضِ ومغاربِها في رُبعِ قرنٍ أو أقلَّ من الزمان 0

إنَّ أمثالَ هؤلاءِ نسوا اللهَ ونسوا أنَّهُ وحدهُ هو الحافظُ ، وأنَّهُ وحدهُ هو الحامي ، وأنَّ قوى الأرضِ كلَّها لا تملكُ أن تتخطفهم وهم في حمى الله ، وأنَّ قوى الأرضِ كلَّها لا تملكُ أن تنصرَهم إذا خذَلهمُ الله ، (( إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ) (سورة آل عمران:160) .

إنَّ هؤلاءِ الذين كفروا وصدوا عن سبيلِ اللهِ وأمثالهم في الأرضِ، كلَّها في كلِّ زمانٍ ومكان، أولئكَ الذين يظهرونَ في ثوبِ البطشِ والاستكبار، ويتراءونَ لأنفسهم وللضالينَ من أتباعهم، قادرينَ أقوياءَ ، إنَّ هؤلاءِ جميعاً حُفنةً من الأرضِ تعيشُ على هذهِ الهباءةِ الصغيرةِ المُسماة بالأرضِ، بين هذهِ الكواكبِ والنجومِ والمجموعاتِ الفلكيةِ، والعوالمِ التي لا يعلمُ عددها ولا مدُدها إلاَّ الله ، فلا يبلغُ هؤلاءِ ومن وراءَهم من الأتباعِ بل لا يبلغُ أهلُ هذهِ الأرضِ كلَّها أن يكونوا هباءً تتقاذفهُ النسمات ، لا بل إنَّهم لا يبلغونَ شيئاً أصلاً حين يقفونَ أمامَ قوةِ اللهِ ، من خافَ اللهَ خافَ منهُ كل شيء ، ومن لم يخفِ اللهُ أخافهُ اللهُ من كلِّ شيء 0

أيُّها المسلمون:

إنَّ ربَّكم يُنادِيكم من على عرشهِ بكلماتٍ في كتابهِ نصُّها: (( فلا تخشوا الناس واخشون ، فإياي فارهبون ) ) (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) (سورة لقمان:33) 0

فمن منَّا يا عبادَ الله استجابَ لنداءِ الله ؟ 0

من منَّا إذا دعتهُ نفسهُ إلى مخالفةِ أمرِ الله قال: إني أخافُ اللهَ ربَّ العامين 0

من منَّا إذا دعتهُ امرأةً ذات منصبٍ وجمالٍ قال: إنِّي أخافُ الله 0

من منَّا إذا سولت لهُ نفسهُ تضييعَ الصلواتِ وتركِ الجماعات واتباعِ الشهواتِ عصاها وقال: إنِّي أخافُ إن عصيتُ ربِّي عذابَ يومٍ عظيم 0

أخي أيُّها العاصي وكلُّنا كذلك .

0أخي أيُّها المذنبُ وكلُّنا من أولئك 0

إنِّي أحذِّرُكَ ونفسي مقاماً عنت فيهِ الوجوهُ ، وخشعت فيهِ الأصوات ، وذلَّ فيه الجبَّارون ، وتضعضعَ فيه المتكبرون ، واستسلمَ فيه الأولونَ والآخرون، بالذلِّ والمسكنةِ والخضوعِ لربِ العالمين ، وقد جمعهم الواحدُ القهار، الذي لا ثاني لهُ في الهيبةِ ولا مشاركَ في حكمه ، جمعهم بعد طولِ البلى للفصلِ والقضاء، في يومٍ آلَ فيه على نفسهِ أن لا يتركَ فيهِ عبداً أمرهُ في الدنيا ونهاه، حتى يسألهُ عن عملهِ في سرِّهِ وعلانيته 0

فانظر بأيِّ بدنٍ تقفُ بين يديه ، وأعد للسؤالِ جواباً وللجوابِ صواباً ، فإنَّهُ لا يصدّق إلاَّ الصادقين، ولا يكذبُ إلاَّ الكاذبين 0

فليكن أولَّ ما تبدأ بهِ من العدةِ لذلكِ المقامِ، تقوى اللهِ عزَّ وجل في السرِّ والعلانيةِ، ليأمن قلبكَ في ذلك المقامِ مع قلوبِ المتقينَ حين يُنجز لهم ما وعدوهم من الأمنِ والغبطةِ والسرور 0

أسألُ اللهَ تعالى أن يجعلنا ممن يخافهُ ويتقيهِ ويُطِيعُهُ ولا يعصيه 0

هذا وصلوا وسلموا

اللهمَّ سلطِ الظالمين على الظالمين...

صالح الونيان

بريدة

جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1 -بعث الله الأنبياء لتزكية نفوس البشر 2 - من وسائل تزكية النفوس الخوف من الله 3 - ما جاء في الخوف من الله في نصوص شرعية 4 - اقسام الخوف 5 - كيف نستجلب الخوف من الله

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى، وارقبوه، وامتثلوا أمره ؛ فإنه للظالمين بالمرصاد.

عباد الله!

إن من المهمات التى بعث بها نبي هذه الأمة محمد تزكية النفس؛ كما قال عز وجل ممتناً ببعثه: هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة:2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت