فهرس الكتاب

الصفحة 8615 من 9994

لماذا لا نخافُ الله ؟ أليسَ كل ما في هذا الكونِ شاهدٌ على عظمتهِ وقدرته: السماءُ ونجومها، والكواكبُ وأفلاكُها، والبحارُ وما فيها، والجبالُ وما يعتليها، والأنهارُ ومجاريها، والقفارُ وما تحتويهِ وما يحتويها ، والشجرُ وأوراقهُ، والزهرُ وأحداقهُ، والبرقُ وضوءهُ، والرعدُ وصوتهُ، والليلُ وأستارهُ، والنهارُ وأنوارهُ، والزمانُ وما يطويهِ، والمكانُ وما يقعُ فيه، والطيورُ وأعشاشها، والوحوشُ وأوكارها، والدوابُ والحياتُ والحشراتُ والديدانُ وكل ما في هذا الكونِ شاهدٌ على عظمةِ الجبَّارِ جلَّ جلالهُ، وكلُّها ساجدةٌ عابدة، ذاكرةٌ شاكرة، (( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ) (سورة الإسراء:44) .

لماذا لا نخاف من الله ، وهو العظيم الذي قهر بعظمته كل شيء ، العظيم في ذاته العظيم في )) صفاتهُ ، العظيم في قدرتهِ وعلمه 0

إنَّهُ الله الذي يطوي السمواتُ يومَ القيامةِ ثُمَّ يأخذهُنَّ بيده، ثُمَّ يقولُ: أنا الملكُ أين الجبارون؟ أينَ المُتكبرون ؟ ثُمَّ يطوي الأرضيين، ثُمَّ يأخذهنَّ ويقولُ: أنَا الملكُ أين الجبارونَ أين المتكبرون؟ إنَّهُ اللهُ الذي خلقَ السمواتِ والأرضِ ما بينهما مسيرةَ خمسمائة عام ، وما بينَ كلِّ سماءٍ وسماءٍ مسيرةُ خمسمائةِ عامٍ ، وسمكُ كلُّ سماءٍ مسيرة خمسمائة عام ، وما بين السماءِ السابعةِ إلى الكرسي مسيرةُ خمسمائةِ عام ، وما بين الكرسي والماءِ مسيرةُ خمسمائةِ عام ، والعرشُ على الماءِ ، واللهُ على العرشِ استوى جلَّ جلاله 0

إنَّهُ اللهُ ما موضعُ كرسيهِ من العرشِ إلاَّ مثلُ حلقةٍ في أرضِ فلاة 0

إنَّهُ اللهُ الذي لهُ عبادٌ مكرمون، يُسبحونَ الليلَ والنهارَ لا يفتُرون، لا يعصونَ اللهَ ما أمرهم ويفعلونَ ما يؤمرون 0

البيتُ المعمورُ في السماءِ يدخُلهُ كلُّ يومٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ لا يعُودونَ إليه إلى يومَ القيامة 0

إنَّهُ اللهُ ، ربُّ جبريلَ ذاكَ القويُّ المكين، له ستُمائةَ جناح، بطرفِ جناحٍ واحدٍ اقتلع قُرى قومِ لوطٍ من أسا فلها، ورفعهُم إلى السماءِ ثُمَّ خسفَ بهم ، وبجناحهِ سدَّ الأُفق ، جبريلُ هذا رآهُ النبيُّ r ليلةَ أُسري به وكأنَّهُ حلسٌ بالي ، بجانبِ عظمةِ الخالقِ جلَّ جلالهُ 0

إنَّهُ اللهُ القويُّ الذي تتصاغرُ أمامَ قُوتهِ كلَّ قوة ، ويتضاءَلُ عندَ ذكرِ عظمتهِ كل عظمة ، جاءَ جبريلُ إلى النبيِّ r فقال: يا محمدُ أو يا أبا القاسم: إنَّ اللهَ تعالى يُمسكُ السمواتُ يومَ القيامةِ على إصبع ، والأرضينَ على إصبع ، والجبالُ على إصبع ، والشجرُ على إصبع ، والماءُ والثرى على إصبع ، وسائرُ الخلق على إصبع، ثُمَّ يهزهنَّ فيقول: أنا الملكُ ، فضحكَ رسول الله r تعجباً مما قالَ الحبرُ وتصديقاً له، ثم قرأ: (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ) (سورة الزمر:67) 0

إنَّهُ اللهُ جلَّ جلاله 0

واللهُ أكبرُ ظاهرٌ ما فوقهُ شيءٌ *** وشأنُ اللهِ أعظمُ شانِ

واللهُ أكبرُ عرشهُ وسعَ السماءَ *** والأرضُ والكرسيُّ ذا الأركانِ

وكذلكَ الكُرسيُّ قد وسعَ الطباقَ *** السبعُ والأرضينَ بالبرهانِ

والربُّ فوقَ العرشِ والكرسيِّ لا *** يخفى عليهِ خواطرُ الإنسانِ

فلماذا لا نخافُ اللهَ ؟

لماذا لا نخافُ من الله ، والملائكةُ يخافونَهُ من فوقهم، ويفعلونَ ما يُؤمرُون ، وهُم من خشيتهِ مُشفقون، وخافهُ الأنبياءُ والمرسلون، الذي قالَ اللهُ عنهم: (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) ) (سورة الأنبياء:90) ، وخافهُ سيِّدُ الورى، وخيرُ من وطئَ الثرى، فقال: واللهِ إنِّي لأعلمُكَم باللهِ، وأشدُّكم لهُ خشية ، وخافهُ الصالحونَ من عبادهِ الذين إذا ذُكرَ اللهُ وجلت قُلوبُهم ، وإذا سمعوا ما أُنزلَ إلى الرسولِ ترى أعينُهم تفيضُ من الدمعِ مما عرفوا من الحقِ ، لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، يخافونَ يوماً تتقلبُ فيه القلوبُ والأبصار 0

بكى يوماً عُمر بن عبد العزيز- رحمه الله- فبكت فاطمةُ زوجهُ، فبكى أهلُ الدارِ، لا يدري هؤلاءِ ما أبكى هؤلاءِ، فلمَّا تجلت عنهمُ العبرةَ قالت لهُ فاطمة: يا أميرَ المؤمنين: ما الذي أبكاك ، قال: ذكرتُ مُنصرفَ الناسِ من بينِ يديِّ الله عز وجل، فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السعيرِ 0

لماذا لا نخافُ من اللهِ ، أليسَ هو الذي يُعطي ويمنع ، ويخفضُ ويرفع، ويقبضُ ويبسط ، بيدهِ الملكُ ولهُ الخلقُ والأمر، وكلُّ يومٍ هو في شأن ، يعزُّ ويذلُّ ، يغني ويفقر ، يمرضُ ويشفي 0

إنَّهُ اللهُ الذي هُو على كلِّ شيءٍ قدير، (( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سورة الأنعام:59) .

إنَّهُ اللهُ الذي إذا أرادَ شيئاً فإنَّما يقولُ لهُ كُن فيكون، (( فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى ) ) (سورة النجم:55) 0

لماذا نخشى المخلوق وننسى الخالق، لماذا نستخفي من الناسِ ولا نستخفي من الله، وهو الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علماً 0

لماذا لا نخافُ من اللهِ وقد علمنا في كتابهِ كيف عذَّبَ المعاندينَ من عباده 0

إنَّهُ اللهُ الذي أهلكَ عاداً بالريحِ العقيم ، وثمودَ بالصيحةِ ، وفرعونَ وقومهُ بالغرقِ ، وقومَ سبأٍ بالسيلِ العرم ، وقومَ نوحٍ بالطوفان ، وقومَ لوطٍ بحجارةٍ من سجيل ، وللظالمين أمثالُها وما هي من الظالمين ببعيد 0

(( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) ) (سورة الفجر) .

فما أهونَ العبادِ على اللهِ إذا هُم عصوه، بينما هُم أممٌ قاهرة، ودولٌ ظاهرة، إذ عصوا اللهَ فغشيهم من العذابِ ما غشيهم، وإنَّ اللهَ لا يُغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم 0

أيُّها المسلمون:

إنَّ الخوفَ المحمودُ هو ما أورثَ قرباً من اللهِ وبعداً عن معاصيه، والخوف إذا باشرَ قلبَ العبدِ فاضَ أثرُهُ على جوارحه ولابد، فكفت عن المعاصي، والتزمت بالطاعات، استدراكاً لما فات، واستعداداً لما يستقبل 0

ومن صدقَ خوفهُ من اللهِ تعالى هربَ إليهِ من كلِّ ما يُسخِطُهُ ويبغضهُ، وكان متيقظاً لرقابةِ اللهِ تعالى عليه في خواطرِ قلبهِ، ولفظاتِ لسانهِ وأعمالِ جوارحه 0

ومن صدقَ خوفهُ لم يترك نفسهُ دونَ مراقبةٍ ومحاسبة، وكلَّما قَوي خوفهُ قَويت مُراقبتهُ ومُحاسبته 0

ومن لم يتركِ المعاصي فليس بخائفٍ كما قيل: ليس الخائفُ من يبكي ويمسحُ عينيهُ، بل من يتركُ ما يخافُ أن يعاقبَ عليه 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت