كيفية التعامل مع الفتن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
موضوعنا حول ( تعامل طالب العلم مع الفتن والنوازل ) :
الفتن: معروفة ولا حاجة إلى الكلام حولها.
تعريف النوازل:
والنوازل المقصود بها الأمور الكبار التي تنزل بالأمة، وقورنت بالفتن لأن النوازل الكبار يقع فيها الاختلاف بين العلماء وبين الناس ويكثر الخوض فيها ومن هنا لما وقعت الفتن على المسلمين في بلاد الأندلس وهي في بلاد المغرب أكثر منها في بلاد المشرق وأشد, كبرت النوازل عندهم، وصار تعبير علمائهم بعبارة النوازل بدل الفتاوى، لأن النازلة كأنها حادثة كبيرة وليست مسألة من المسائل التي تحتاج إلى جواب وإنما هي نازلة ومعناها أنها تحتاج إلى علماء وإلى اجتهاد وإلى نظر وإلى تدبر وعدم استعجال معها إلى آخره.
ولا شك أن النوازل التي وقعت على أمة الإسلام في الأندلس لاشك أنها نوازل عظيمة جدا, وإن كانت أيضا النوازل الأخرى نزلت على المسلمين أيضا في شتى أقطار الأرض.
كيفية التعامل مع الفتن والنوازل
القضية الأولى: أن الفتن تكون بالخير والشر.
أحب أن أنبه إلى أن الابتلاء والامتحان سنة ربانية لا يخرج منها أحد
(( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) ( الأنبياء:35)
وبعض الناس يظن أن الفتن خاصة بالشر، فإذا نزل بالمسلمين أو بأي أمة من الأمم نازلة أو بلاء ومصيبة ونحو ذلك، ظن أن هذه هي الفتنة وهذه هي البلية التي أصابتهم، بينما الأمة التي لم يصيبها هذا وإنما أصابها نوع آخر من الابتلاء، ومن الفتنة هو الابتلاء بالرخاء وكثرة الخير، وبالإمهال اختلط عليه الأمر وظن أن الفتنة عند أولئك، وهو بالنسبة له ولمن حوله ليس عندهم فتنة وهذا خطأ، لأنه أحيانا تكون الفتنة في الرخاء أشد منها في البلاء، ومن عرف التاريخ وحياة السلف الصالح رحمهم الله تعالى وجد أنهم أدركوا هذه الحقيقة العظيمة، وهو أنهم يبتلون بالخير وبالشر، ولكن يقولون وجدنا أن صبرنا على الرخاء يحتاج منا إلى جهد أشد من صبرنا على الشدة، والأمر إذا عرف على هذا الوجه فإن طالب العلم ينبغي أن يتعامل بخاصة نفسه ومن حوله مع الفتن بهذه النظرة العامة الشاملة، التي تجعل الإنسان يتدبر حال من حوله، وكيف يتعامل مع واقعه، من خلال أن الفتنة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر، بل إن الفتنة في الخير هي التي تصحبها الغفلة، وأحيانا الأعراض وأحيانا السهو والنسيان الذي يؤدي بالإنسان إلى التمادي في التقصير والمخالفات ونحو ذلك، وإذا تبين هذا فينبغي أن تكون نظرة المسلم إلى الواقع الذي يعيشه اليوم نظرة فاحصة وليست نظرة أولئك الأنعام الذين يرون أنه إذا وجد الأكل والشرب فهم في خير ونعمة، وإذا لم يجد الأكل أو الشرب هذه هي الفتنة والبلية، هذه طريقة العامة طريقة الذين لا يفقهون، طريقة الذين لا يعلمون، لكن طالب العلم هو الذي يغوص في معرفة حقائق الأمور، ويدرك أن المجتمع إذا أصابه الرخاء فربما كان مفتونا أشد من ذلك المجتمع الذي تصيبه الشدة.
القضية الثانية: فتنة غلبت الكفار:
وهي تلك الفتنة التي أحاطت بالأمة, ما أشهر مظاهرها، أظهر علاماتها غلبت الكفار وضعف المسلمين, قوة الكفار واجتماعهم على الضلالة وتفرق المسلمين, ولا شك أن هذه الفتنة هي من أعظم الفتن التي يعيشها المسلمين هذه الأيام, كيف تكون فتنة؟ قال نعم تكون فتنة لأنه يرى دينه هو الدين الحق، ومنهجه هو المنهج الحق، ثم يرى هذا الحال من ضعف المسلمين وتفوق الكافرين، يرى هذه الحالة العجيبة التي تحيط بالأمة فتكاد تفتنه عن دينه وتصرفه عن منهاج ربه سبحانه وتعالى, هذه الفتنة الواقعة كيف نواجهها؟ اختلطت فيها الأمور ووضعنا الكفوف بعضها على بعض، وجاءتنا الشكوك، وتذكرك بتلك المقولة التي ذكرها الله تعالى في كتابه (( قلتم أنى هذا ) )، فكيف يكون هذا ؟، هذه الفتنة الكبرى التي هي جزء من امتحان رباني، يتعامل المسلم معها من خلال منهجين بسيطين.
الأمر الأول: عدم اتهام الدين:
أن يوقن أن دين الله تعالى لا يتغير ولن يتغير، وأن هذا الدين كما هو عليه لم يتغير، ونقصد بذاك أنه مهما أحاط بالمسلمين من ضعف أو هزيمة أو غير ذلك من الأمور التي يأسى لها قلب المسلم, فعليه ألا يتطرق الشك إلى أي شيء من دينه وأصله.