وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من مدونات السنة وكتب أهل العلم ما يكشف ويفسر ويوضح ويرشدُ إلى مزيد من آيات وأحاديث البراءة من المشركين، فهل هذه وتلك نَبتت وأعُلنت من قبل الخوارج ؟ وهل هذا فكرُ المتطرفين أم وحيُ رب العالمين؟! إنه الجهل والرميُ والبهتان، وويل للفضيلة من الرذيلة، وللحق من الباطل، إذا تكلم المرءُ بما لا يُحسن، وتطاول المتطاولون ولنا أملٌ في أن يوقف الكاتبُ عند حدِّه وتُساؤل الصحيفة كيف سمحت بمثل هذه الكتابات المفترية على الله الكذب والله يقول: (( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (سورة النحل:116، 117) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه .
الخطبة الثانية
الحمد لله رَبّ العالمين جعل فرقاناً كبيراً بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حكم - وهو أعلمُ وأحكم- بأن حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهُ صلى الله عليه وعلى آله وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً .
إخوة الإيمان: ومن التنظير -في مسألة الولاء والبراء- إلى التطبيق العملي لنرى ونتبين أنواعاً من الممارسات والسلوكيات المخالفة لعقيدة الولاء والبراء، إذْ من الناس من يؤمن بهذه العقيدة نظرياً لكنه قد يضعفُ في تطبيقاتها عملياً، والله تعالى ينهى بشكل عام عن التناقض بين القول والعمل ويقول: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) (سورة الصف:3) .
واكتفي بالوقوف عند مظهرين من مظاهر الولاء للكافرين:
أولاً: من هذه الموالاة العملية للكفار، الإقامة ببلدهم رغبةً واختياراً لصحبتهم، والرضا بما هم عليه من كفر أو يمدحه، أو يُرضيهم بعيب المسلمين فأولئك ليس من الله في شيء كما قال تعالى: (( لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَليْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْء ) ) (سورة آل عمران:128) .
وإذا كان الإمامُ مالك - رحمه الله - كره للمسلم أن يسكن ببلدٍ يُسبُّ فيه السلفُ فكيف ببلدٍ يُكفر فيه بالرحمن، وتُعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقرُ نفسُ أحدٍ على هذا إلا وهو مسلمٌ مريضٌ الإيمان (ابن رشد، مقدمات ابن رشد 2/612، 613) .
ثانياً: ومن مظاهر الولاء للكفار وهو الأكثر وقوعاً طاعتهم في التشريع والتحليل والتحريم، فذلك كفرٌ وخروجٌ عن الملِّة يقول تعالى: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:100) .
وهو - فوق الكفر- مُوردٌ للخسران في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:149) .
يقول الشيخُ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - وهو من أعلام الدعوة السلفية- عند هذه الآية:"أخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلابد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرين، ولم يرخِص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم. (الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ص33، العبد اللطيف، نواقض الإيمان 365) ."
أيها المسلمون:
ونحن في هذه الأيام - ومع الأزمة الأخيرة - نشهد نوعاً من هذا التدخل الغربي النصراني في أحوال المسلمين وتشريعاتهم وذلك بفرض السياسات والتدخل في المناهج وصياغة العقول المسلمة كما يريدون إنها حملةٌ شرسةٌ على الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، والثقافة الإسلامية، لم يستطع الغربُ إخفاء معالمها وخطواتها، في ظل دعايته وإعلانه الحرب على الإرهاب، لقد انكشف الغطاءُ، وزال اللبسُ عند عددٍ من المنُخدعين بسياسةِ الغرب والضانين بنْزاهته ؟
وما الحملات والمخططات للعالم الإسلامي - من قِبل الغرب - إلا برهانٌ لتوجههم لسياسة (صراع الحضارات) - وفي مقدمتها والمقصود الأولُ منها حضارةُ الإسلام- وكان للملكة نصيبٌ وافرٌ من هذه الحملة الظالمة، ويبدوا أنها إرهاصٌ لفرض سياسات والتدخل في الخصوصيات - في العالم الإسلامي بشكل عام -
إن المناهج - على سبيل المثال - خصوصيةٌ وهي تعبيرٌ عن ثقافة الأمة، ومقومات الدولة - لا يسوغ - بحال- أن تتدخل فيها الأمم الأخرى، وإذا كان الغربُ لا يسمح للمسلمين أن يتدخلوا في مناهجه التعليمية، حتى وإن كان فيها من العَوَر والقصور - ما فيها- في نظر المسلمين، فكذلك المسلمون لا يسمحون للأجنبي أن يتدخل في مناهجهم - بل ولا في سياساتهم الأخرى الإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية... ونحوها.
ولو كان الغربُ جاداً في الإصلاح لبدأ بإصلاح مناهجه ومدارسه، تلك التي تشهدُ من الجرائم وتخريج المنحرفين والشاذين ما يدعوا للإصلاح ، ولغة الأرقام، وعناوين المقالات يشهد على عدد من هذه الجرائم والممارسات اللاأخلاقية في مدارس الغرب مما لا يوجد مِثلُه ولا قريبٌ منه في مدارس المسلمين، هذا فضلاً عن ما في إعلامهم وتعليمهم من إساءة للإسلام وتشويه صورة المسلمين، دون حقٍ أو عدل ، ومن زاوية أخرى فهل يستطيع الغربُ أن يدعوا للتغيير في المناهج والبُنى الثقافية والإعلامية في الصين واليابان مثلاً أو في الهند، أو في فيتنام أو نحوها من الأمم والثقافات الأخرى ؟
ومن زاوية ثالثة وإذا وُجد في العالم الإسلامي مدارسُ ومعاهدُ دينية أو كليات وجامعات لتعليم الدين الحق في مصر أو السعودية أو الباكستان أو غيرها من الدول العربية والإسلامية مثل اليمن والمغرب وأفريقيا، فعند الغرب مئاتٌ من المدارس والمعاهد والكليات والجامعات التي تدرس اللاهوت وتُعنى بالإنجيل و التوراة، ولو كانت خزعبلات وتحريفات وطنطنات وترانيم فارغةَ المحتوى قاصرة في الأهداف والرؤى، وهناك المئات بل الألوف من المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية، والصحف والمجلات الأصولية الإنجيلية أو التوراتية، فأين الحديث عن التطرف وتلك منابعهُ، وأين الحديث عن الإرهاب وتلك مجالات تفريخة ؟!
وباختصار - يمكن القول- إن المناهج التعليمية والسياسات الإعلامية والاجتماعية ونحوها في أي أمة من الأمم هي شأن خاص من شؤونها لا يجوز لأي قوةٍ خارجية أن تتدخل في صياغتها أو تتلاعب بشيءٍ من مفرداتها، والقوانين والدساتيرُ التي يُدندن حولها هؤلاء الغربيون تمنع من هذه التدخلات هذا بمنطقهم ، وفوق ذلك ترفض شريعةُ الله، ويمنع منه إقامةُ الحق والعدل، ويتعارض مع لوازم عقيدة الولاء والبراء في مفهومنا ومنطقنا؟
معاشر المسلمين: