قضيةٌ كبرى من قضايا الدين الحق، ما كنت أحسبُ أنني بحاجة إلى تذكيركم بها هذه الأيام - وإن كانت غاية في الأهمية لوضوحها عند عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم ومثقفيهم - لولا أني قرأت ما كتبه البعضُ مؤخراً عنها ، ومسألة عظيمة من مسائل العقيدة يقع فيها الخطأ والخلط إن في الفهم أو في التطبيق أو في كليهما، عند فئة من الناس، وتحتاج إلى بيان وإيضاح، تلكم هي عقيدة الولاء والبراء، فما معنى الولاء وما معنى البراء؟ وما حكم الموالاة والمعاداة ؟ وماذا عن نصوص الكتاب والسُّنة وكلام أهل العلم فيهما؟ وهل من أمثلةٍ واقعية على الموالاة للكفار؟ وما هي نتائج ذلك وآثاره؟
إخوة الإسلام:
معنى الولاء هو المحبةُ والودُّ والقُرب، ومعنى البراء هو: البُغض والعداوة والبعد، وإذا كان الولاءُ والبراءُ من أعمال القلوب فإن مقتضياتهما وآثارهما تظهر في المواقف العملية وعلى الألسنة والجوارح.
ومن هنا يمكن القول أن الولاء والبراء ليسا مجرد اعتقادٍ في القلب، بل يظهر منهما وينشأ عنهما من أعمالِ القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنُصرة والأنسِ والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، الدرر السنية 2/157) .
والولاءُ الحق لا يكون إلا لله ولرسوله r وللمؤمنين كما قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُواْ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) (سورة المائدة:55) .
والبراءةُ إنما تكون من الكافرين وكذلك أُمر المؤمنون (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلقُونَ إِليْهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الحَقِّ ) ) (سورة الممتحنة:1) إلى قوله تعالى مخاطباً المؤمنين ومادحاً لإبراهيم والمؤمنين معه: (( قَدْ كَانَتْ لكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) ) (سورة الممتحنة:1 -4) .
عبادَ الله:
هل يخفى أن الولاءَ والبراءَ شرطٌ في الإيمان، والله تعالى يقول: (( تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلوْنَ الذِينَ كَفَرُواْ لبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَليْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِل إِليْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (سورة المائدة:80، 81) .
قال ابن تيمية - رحمه الله-:"فذكر جملةً شرطيةً تقتضي أنه إذا وجد الشرطُ وُجد المشروط، بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاءُ المشروط (الإيمان ص14) ."
أيها المؤمنون:
بل يصل الأمرُ في الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين إلى كونه أوثق عُرى الإيمان، بخبر الصادق المصدوق حيث قال عليه الصلاة والسلام: (( أَوْثَق عُرَى الإِيمَان الحُبّ فِي الله وَالبُغْض فِي الله ) ) (أخرجه أحمد 4/286 وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة(1728) .
والولاءُ والبراءُ ليس عقيدةً باردةً لا محل لها ولا شأن في الإسلام، بل يرى علماءُ العقيدة أنه لا يتمُّ الدينُ ولا يُقام علمُ الجهاد، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، إلا في الحبِّ في الله والبغض في الله، ولو كان الناسُ مسلمهُم وكافرهم متفقين على طريقةٍ واحدة ومحبةٍ من غير عداوةٍ، ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رسالة أوثق عرى الإيمان/38) .
ومن عجبٍ أن تُجهل عقيدةُ الولاءِ والبراء، أو يتهاون المسلمون في تطبيقاتها، وليس في كتاب الله حكمٌ - بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده - أكثر أدلةٍ ولا أبينَ من معاداة الكفار والمشركين، كما قال الشيخُ حمدُ بن عتيق - رحمه الله- وغيره (د. عبد العزيز العبد اللطيف، نواقض الإيمان القولية والعملية/359) .
أجل لقد كان رسول الله r يبايع أصحابه - رضي الله عنهم- على تحقيق هذا الأصل العظيم .
وهذا جريرُ بن عبد الله البجلي t يقول: (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ r وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلتُ: يَا رَسُول اللهِ ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ وَاشْتَرِطْ عَليَّ فَأَنْتَ أَعْلمُ، قَال: أُبَايِعُكَ عَلى أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ المُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ المُشْرِكِينَ ) ) (أخرجه أحمد 4/365، والنسائي 7/148، والبيهقي 9/13، وصححه الألباني في الصحيحة(936) .
أيها المسلمون: ومن خلال ما سبق يتبين أن عقيدة الولاء والبراء منهجُ الأنبياء عليهم السلام، ومما بايع عليه الصحابةُ رضوان الله عليهم، وتكلم علماءُ الأمة فيها سلفاً وخلفاً، وما ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابرٌ أو صاحبُ هوى، وكم تفاجأتُ - وربما تفاجئ غيري- من مقال نُشر في جريرة عكاظ يوم السبت الماضي 21/10/1422هـ لأحد الكتاب - هداه الله وبصَّره بالحنيفية السمحة- وليست هذه بأولى سوآته، والمقال بعنوان: (التطرف) وقد تكلم فيه عن (الولاء والبراء) بكلام تستغرب أن يُنشر أولاً، وتستغرب ثانياً أن يصدر من مسلم يقرأ القرآن الكريم أو يعرفُ سنة محمد r وأقتطف لكم شيئاً مما قاله:
قال في بداية المقال: لو تأملنا قليلاً في فكر الجماعات المتطرفة الإرهابية ثم ذكر نموذجاً لها وقال: هذه الجماعاتُ تؤمن وتعمل وفق ما يُسمى بعقيدة أو فكرة الولاء والبرء..."."
ثم قال بعد:"ونظريةُ الولاءِ والبراء مبدأ أعلنه الخوارجُ قديماً وجعلوه مُحفِّزاّ لأتباعهم للقتالِ والعُنفِ ضد المجتمع، ثم اندثر هذا المبدأُ ولم يعدْ له ذكرٌ إلى أن أحياه وعاد له المتطرفون الجُدد...".
وفي نهاية المقال قال: وهكذا دخلت (نظريةُ) الولاء والبراء من عدة بوابات في الإعلامِ وفي التعليم وفي الكتب...الخ وأصبحت تُعرف بأنها إحدى ركائز دراسةِ العقيدة، وواضحٌ أنها أضيفت بتعسفٍ إلى ركائز العقيدة السليمة"."
إن هذا الكلام من السقوط والضحالة والجهل بحيثُ لا يحتاج معه إلى وقفة ولا تعليق وفيما مضى من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم ما يكشفُ بطلانه، ولكنك تستغربُ كيف تصلُ الضحالة الفكرية ببعض الكتاب إلى هذا الحد... وتستغرب كيف يُسمح بنشر هذا التهجم الصريح أو الملفوف على نصوص الكتاب والسنة وسيرة محمد r وهديه وهدي أصحابه وتراث الأمة كلِّها في بلاد أكرمها الله بالحرمين، ومنها انطلقت وشعَّ نورُ الإسلام معلناً الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين .
تُرى أيجهل الكاتبُ أن من بلده الذي كتب فيه شعَّ نورُ الإسلام وأعلن محمد r بأمر ربه ولاءه للمؤمنين وبراءته للمشركين حتى وإن كانوا أولي عهد، في قرآن تُلى ويُتلى إلى يوم القيامة: (( بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ) ) (سورة التوبة:1) .
وفي الآية الأخرى: (( وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) ) (سورة التوبة:3) .