فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأعلموا أن الله خلقكم لعبادته كما قال جل وعلا: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? [الذاريات:56] لم يخلقكم الله تعالى لتتمتعوا في هذه الحياة الدنيا كما تتمتع الأنعام فإن هذا هو شأن الكافرين قال الله تعالى:?وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ? [محمد: 12] إنما خلقكم الله لأمر عظيم أهم من ذلك وأعظم ألا وهو أن تعبدوا الله مخلصين له الدين ولرسوله صلى الله عليه وسلم متبعين لتعبدوا الله على بصيرة فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ولقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فالفقه في الدين ) (1) فالفقه في الدين نور يسير به العبد إلى الله في عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته به يعرف العبد ما يعتقده في ربه وبه يعرف العبد كيف يعبد ربه به يعرف كيف يتوضأ كيف يغتسل كيف يصلي كيف يزكي كيف يصوم كيف يحج كيف يبيع كيف يشتري به يميز بين الحق والباطل بين الحلال والحرام بين الواجب والمسنون بين الصحيح والفاسد به يعرف الإنسان كيف يخالط الناس كيف يبر والديه كيف يصل أرحامه أي أقاربه كيف يعامل صديقه كيف يجازي عدوه وبالعلم يعرف كيف يعامل الناس في البيع والشراء والتأجير والرهن والضمان والقضاء قال النبي صلي الله عليه وسلم ( فرحم الله رجلا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى ) (2) سمحا إذا اقتضى وبالعلم يعرف الحق الذي عليه فيعطيه صاحبه ويعرف الحق الذي له فيطلبه أو يتسامح فيه بالعلم يعرف كيف يوصي كيف يوقف كيف ينكح كيف يطلق وبالعلم يسير الموفق بأمته في نور العلم والرشاد إذا تراكمت ظلمات الفتن والجهل والفساد بالعلم يهدي أمته إلى الصراط المستقيم ويبين لهم المنهج القويم فما اكتسب كاسب مالا ولا جاها ولا رئاسة أفضل من العلم وأعلى شأنا يقول الله عز وجل ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات? [المجادلة: 11] ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ) (3) أيها المسلمون من استطاع منكم أن يتفرغ لطلب العلم وتحصيله وذلك أفضل وتلك نعمة كبرى وغنيمة فضلى وإن التفرغ لطلب العلم ليتأكد في هذا الزمان الذي قل فيه الفقهاء وكثر فيه القراء قل فيه الفقهاء في دين الله وكثر فيه طلب الدنيا والإقبال عليها من أكثر الناس ومن لم يستطع أن يتفرغ لطلب العلم فليستمع إلى العلم وليجلس إلى أهله فيستفيد منهم ويفيد غيره ومن ثم ينبغي لأهل العلم أن يستغلوا فرصة جلوسهم مع الناس فيعلموهم ويفتحوا لهم باب المسألة والمناقشة لتكون مجالسهم مجالس مفيدة ومن لم يستطع الاستماع إلى العلم والجلوس إلى أهله فلا أقل من أن يسأل عن الأمور التي لا يسعه جهلها في دينه ودنياه ولقد كثرت وسائل العلم في وقتنا هذا ولله الحمد فهناك رسائل وهناك كتب وهناك أشرطة مسجلة ينتفع بها الإنسان في دينه ودنياه ومن استفتى عالما واثقا بعلمه وأمانته فأفتاه فليأخذ بما أفتاه به ولا يتبع هواه في هذا فيرفض ما أفتاه به إذا لم يناسبه ويذهبُ إلى عالم آخر وثانٍي وثالث حتى يُفتى بما يهوى هذا من تتبع الرخص والتلاعب بدين الله وأتباع الهوى دون الهدى ولكن إذا تبين له بمجالسة العلماء أن ما أفتاه به المفتي مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة فله أن يعدل عن الفتوى التي أفتُيها بل يجب عليه ذلك إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وكذلك لو استفتى الإنسان شخصا ليس في بلده أحد أولى منه ومن نيته أنه إذا حَصَّل من هو أعلم منه استفتاه لكنه استفتى من في بلده مع قصوره للضرورة فلا بأس حينئذ أن سيستفتي من هو أعلم ولو أفتاه من هو في بلده . لأن استفتاءه الأول كان للضرورة أيها الناس أيها المدرسون أيها الطلاب إننا في هذه الأيام نبتدئ عاما دراسيا جديدا نسأل الله أن يجعله عام خير وبركة عام تحصيل للعلم النافع والعمل الصالح وإنني بهذه المناسبة أوجه ما تبقى من خطبتي هذه إلى ثلاثة أصناف من الناس أوجهها إلي المعلمين وأوجهها إلي للمتعلمين وأوجهها إلى أولياء أمور المتعلمين أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يحرصوا على إدراك العلوم التي يلقونها إلى الطلبة وأن يهضموها هضما جيدا قبل أن يقفوا أمام الطلبة لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك فإنه ربما يقع الواحد في حيرة عند الشرح أو المناقشة وإن من أعظم مقومات شخصية المدرس أمام طلبته أن يكون قويا في علمه وملاحظته ولا تنقص قوته العلمية في تقوية شخصيته عن قوة ملاحظته فالإنسان الذي يريد أن يكوّن له شخصية بين الطلبة عليه أن يلاحظ هذين الأمرين قوة العلم وقوة الشخصية والملاحظة وإن المعلم إذا قام أمام الطلبة دون أن يدرك المادة إدراكا قويا كان ذلك نقصا في أداء أمانته وسببا في ارتباكه حين الشرح أو المناقشة وإذا ارتبك أمام الطلبة فلا تسأل عن انحطاط منزلته بينهم ثم إن أجاب بالخطأ فلن يثقوا فيه بعد ذلك مع أنه إذا أجاب بما لا يعلم فإنه آثم لقول الله تعالى ?وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? [الإسراء: 36] وإن تعسف وانتهرهم عند مناقشتهم إياه كما يفعله بعض الأساتذة القاصرين في العلم فإنه لن ينسجم معهم وستضيع الفائدة بينهم إذاً فلا بد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر وعلى المعلم أيضا أن يحرص على حسن الإلقاء فيسلك أقرب الطرق في إيصال المعاني إلى أذهان الطلبة ويضرب الأمثال ويناقشهم فيما ألقاه إليهم سابقا ليكونوا على صلة بالماضي ويبنوا عليه الحاضر ويعلموا أن هناك حرصا ومتابعة من المعلم وعلى المعلم أيضا أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم ليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرحيم يكون له أثر بالغ في نفوسهم ومحبة في قلوبهم وعلى المعلم أيضا أن يظهر أمام الطلبة بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون قدوةً صالحة لتلاميذه بالعلم والعمل وينال بذلك الأجر من الله عز وجل والتلميذ يتلقى من معلمه الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقاه من العلم من حيث التأثر به وذلك لأن أخلاق المعلم وأعماله صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادات التلاميذ واتجاهاتهم وأما المتعلمون فإنني أحثهم على أن يبذلوا غاية الجهد في التعلم من أول العام حتى يدركوا المعلومات إدراكا حقيقيا ناضجا ثابتا في قلوبهم راسخا في نفوسهم لأنهم إذا أدركوا العلوم شيئا فشيئا أتقنوها تماما وإذا حرصوا من أول العام أدركوها على وجه سهل ميسر وأما إذا استرخى في أول العام واعتمد على ما يظنه من الأوهام فإنه سوف تتراكم عليه الدروس ويوشك أن لا يدركها في آخر العام فتضيع عليه السنة كلها بأكملها. وإذا كان على المعلمين والمتعلمين واجبات تجب مراعاتها. فعلى علي العمداء ومديريها ورؤسائها أن يراعوا من تحت أيديهم من المعلمين والتلاميذ وغيرهم في تطبيق الواجب لأنهم مسئولين عن ذلك أمام الله عز وجل ثم أمام الدولة ثم أمام الشعب الأخوة وغيرهم من أهل الولاية فعليهم أن يتفقدوهم ويراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والعملي والفكري والخلقي وأن لا يتركوهم فيضيعوا بلا فائدة فإن إهمالهم ضياع وغفلة عما