فهرس الكتاب

الصفحة 8326 من 9994

وفي ذلك اليوم تنصب الموازين لتوزن أعمال الناس إظهاراً لعدل الله، قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ، فيوضع ميزان له كفتان، وتوزن به أعمال بني آدم، وليس شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} ، وفي ذلك الموقف تتجلى رحمةُ الله وعدلهُ كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائقِ فينشر له تسعةٌ وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدَّ البصر، فيقول الله عز وجل: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله عز وجل: ألك عذر؟ أَلَك حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول الله عز وجل: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدة، لا ظُلم عليك اليوم، فتُخرَجُ بطاقةٌ فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقول يا رب: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفه، والبطاقة في كفه، قال صلى الله عليه وسلم: فطاشت السجلاتُ وثقلت البطاقةُ، ولا يثقل مع اسم الله شيء".

وفي ذلك الموقف يعاني الناسُ من الشدة واللأواء، ويصيبهم الظمأ الشديد، فيمتن الله على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بإعطائه الحوض،"وهو مجمع ماءٍ عظيم يضعه الله سبحانه في عرصات يوم القيامة يرده المؤمنون"، ماؤه أحلى من العسل، وأبيضُ من اللبن، وأبرد من الثلج، وأباريقه عددَ نجوم السماء، طوله مسيرة شهر، وعرضه مسيرة شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وله ميزابان أحدهما من ذهب، والآخر من فضة يمدانه من الجنة، قال صلى الله عليه وسلم:"أنا فرطكم على الحوض ـ أي: سابقكم ـ من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا"، ويمنع من الورود على الحوض أناس بدَّلوا شرع نبيهم، وسلكوا غير طريقه وهديه، قال صلى الله عليه وسلم:"ليرَدنّ عليَّ أقوام من أصحابي ـ أي: أمتي ـ فإذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدل بعدي"، فاحذروا من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من الهدى، فإن في مخالفته الهلاك والعطب، وعجباً من أناس خالفوا سيرته واجتنبوا طريقته صلى الله عليه وسلم، ودعوا إلى غير سنته، ويطمعون أن يردوا حوضه.

ومن رحمة الله لهذه الأمة وتكرمةً لنبيها صلى الله عليه وسلم، فإنها أول الأمم محاسبة بين الأمم، وتعجيل الحساب علامة على تعجيل الفرج وقربه، قال صلى الله عليه وسلم:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي بينهم أولاً يوم القيامة"، وقال صلى الله عليه وسلم:"نحن آخر الأمم وأول من يحاسب".

فإذا حوسب الناس، يوضع الصراط ويضرب على متن جهنم،"والصراط هو جسر ممدود على جهنم يعبر المؤمنون عليه إلى الجنة"، وما من أحدٍ إلا ويمر على هذا الصراط فإما أن ينجوَ بفضل الله ورحمته، وأما أن تدركه شقوتُه فيهلك، قال تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} .

وقد ورد في وصف هذا الصراط وأحوال الناس فيه ما يبهرُ العقول، ويبعثُ الخوفَ في القلوب، فهو أحدُّ من السيف، وأدق من الشعر، مسيرته شهر، ومع ذلك فهو فوق جهنم، من هوى منه هوى فيها.

وزيادة في البلاء فإن عليه خطاطيف تخطف الناس بأعمالهم، وهو مدحضة مزلة عظيم الظلمة، وإن بعض هذه الصفات لكاف في البلاء فكيف إذا اجتمعت؟!

ودعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام يومئذ: سلِّم، سلِّم. فكيف بغيرهم؟!

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:"بلغني أنه أحدُّ من السيف وأدق من الشعر"، وقال صلى الله عليه وسلم عن الصراط:"مَدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب ـ وهي حديدة معقوفة الرأس ـ، وحسكة مفلطحة ـ شوكة صلبة عريضة ـ، لها شوكة عَقيفاء".

وقال صلى الله عليه وسلم:"به خطاطيف مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟"قالوا: نعم، قال:"فإنها مثلُ شوك السعدان غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم" [وشوك السعدان نبتة من نبت البوادي] .

وحينذاك يحاسب الكفار حساب توبيخ وتقريع ثم يؤمر بهم إلى جهنم، ولا يبقى في أرض الموقف إلا المؤمنون والمنافقون وحينئذٍ تلقى عليهم الظلمة، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسولَ صلى الله عليه وسلم فقالت: أين الناسُ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟، فقال عليه الصلاة والسلام:"هم في الظلمة دون الجسر".

ثم تلقى عليهم الأنوار وتقسُم على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة، قال سبحانه وتعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم} ، وقال سبحانه وتعالى: {يوم لا يخزي اللهُ النبيَّ والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا} .

قال صلى الله عليه وسلم:"فيعطون أنوارهم حسب أعمالهم"، وقال:"فمنهم من نوره كالجبل بين يديه، ومنهم فوق ذلك، ومنهم كالنحلة بيمينه، ومنهم دون ذلك، وآخرهم نوره في إبهام قدمه يضيء مرةً وينطفيء أخرى، فإذا أضاء قدم قُدما، وإذا انطفأ قام"، نسأل الله أن يرحمنا برحمته.

فطريق طويل كحدِّ السيفِ ودقةِ الشعر وعليه الظلام الحالك، وأرض مزلة زلق وأعمال لا يُدْرى تُقبلت أم لا؟ وإن تقبلت فأي الأنوار يعطى صاحبها؟!

لا شك أنه موقف رهيب مخيف.

ويكون عبور المؤمنين على حسب أعمالهم، قال صلى الله عليه وسلم:"فمنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كأجاويد الركاب (الإبل) ، ومنهم من يجري جرياً، ومنهم من يمشي مشياً، حتى يجيء فلا يستطيع السير إلا زحفاً، وآخرهم يسحب سحباً".

فتخيلوا عباد الله!!..كيف حالُ رجلٍ لم تسعفه أعماله إلاّ أن يبلغ درجةَ الذي يركض فوق الصراط، متى سيصل إلى منتهاه؟، فكيف بمن يمشي مشيا، ومن يزحف زحفاً وليس معه من النور إلا موضع الإبهام أو أقل، فعلى أي حال يكون؟!

وكيف حاله وخطاطيف جهنم تدور حوله تكاد تخطفه، وربما لا يصل إلى منتهاه إن وصل إلا وهو مخدش بالخطاطيف والكلاليب.

لا شك أنه موقف يصعب وصفه، فنسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يعاملنا بمحض فضله.

وأما المنافقون فلأنهم كانوا يخادعون أنفسهم في هذه الدنيا ظناً منهم أنهم يخادعون الله جل وعلا، {عليهم دائرة السوء} ، فإنهم يعطون نوراً مخادعة، فإذا ولجوا الصراط انطفأ نورهم وصرخوا واستغاثوا بالمؤمنين يريدون أن يأخذوا قبساً من نورهم فيمنعون منه فيهلكون.

فهم طالما أظهروا الإسلام والاستقامة، وبين جوانحهم قلوب ماكرة ترفض الإسلام وتستهزئ بأحكامه، وتراها تخلفا وعودة إلى الأجيال المتخلفة، وأنهم هم الذين يصلحون الكون بأفكارهم المعتدلة، وأن هؤلاء الدعاة إلى السنة والخير إنما يريدون التشدد والرجعية، فكانوا يحملون في هذه الدنيا نوراً زائفاً، وكذلك في الآخرة لتمام عدل الله يعطون نوراً زائفاً مخادعةً، فإذا ولجوا في الظلمة أدركهم شؤم نفاقهم فانطفأ النور، لأنهم فقدوا العمل الذي يُنور طريقَهم، قال تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا..} ، يقال لهم ذلك استهزاءاً بهم، فإذا رجعوا ضرب الله بينهم بسور له باب، باطنه من جهة المؤمنين الرحمة وظاهره من جهة المنافقين العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت