فهرس الكتاب

الصفحة 8325 من 9994

ثم يرسل الله سبحانه المطر فتنبت أجسادُ الناس، ثم يكون بين النفختين أمدٌ الله أعلم به، ثم ينفخ في الصور النفخة الثانية فإذا بالناس يبعثون من قبورهم، قال صلى الله عليه وسلم:"ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتا (أي: لوى صفحة العنق) ، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ـ أي يطينه ـ، فيصعق الناس، ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل فتنبت أجساد الناس، وكل ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون".

وهنا يُبعث الناس فتنشق عنهم قبورهم، وأول من ينشق عنه القبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} ، فإذا بعث الله سبحانه وتعالى الخلائق حشروا في أرض المحشر لمجازاتهم ومحاسبتهم، قال تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} ، وقال تعالى: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} .

فيحشر الناس حفاة عراة غرلاً، ليس معهم شيء قد خلفوا كلَّ شيء وراءهم، وقدموا على خالقهم، فيحشرون على أرض بيضاءَ خالصةِ البياض، كقطعة الخبز المبسوطة، لم يسفك فيها دمٌ حرامٌ، ولم يعمل عليها خطيئة، قال صلى الله عليه وسلم:"إنكم تحشرون حفاة عراة غرلاً"، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} ، فقالت عائشة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ الصديقة بنت الصديق: واسوأتاه!! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟، فقال صلى الله عليه وسلم:"الأمر أشد من أن يهمهم ذلك"، فهم في حال عصيبة وضنك شديد قد صرفهم عن كل ما حولَهم إلا عما يصيرون إليه.

وفي الحشر يعاني الناس الضيق الشديد، وتُدنى الشمس من الخلائق فتكون على قدر ميل من رؤوسهم ـ إما ميل الأرض أو ميل المكحلة ـ، ويعرق الناس على قدر ذنوبهم فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه ومنهم من يصل إلى وسطه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، قال صلى الله عليه وسلم:"تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على مقدار أعمالهم من العرق منهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله بيده إلى فيه".

فإذا كان الناس يعانون حرارة الشمس وهي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات فكيف إذا اقتربت حتى تكون كمقدار ميل؟!

وقال صلى الله عليه وسلم:"يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عرقهُم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم".

ومن تأمل هذا يا عبد الله عرف عِظَم الهول فيه، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف وتدنى الشمس من رؤوس الخلائق قدر ميل، فكيف تكون حرارة الأرض؟؟، وماذا يرويها حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً؟، مع أن كل واحدٍ لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه؟

إن هذا لما يبهر العقول.!!، ومن علم هذا فعليه أن يبادر إلى التوبة واللجوء إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة.

وفي هذا الموقف العصيب مِن الناس مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله منهم:"إمام عادل، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأةٌ ذات مَنصب وجمال فقال إني أخاف الله، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ومن أنظر معسراً أو وضع عنه".

وإذا أصاب الناسَ الكربُ فزعوا ونظروا إلى من يخلصهم ويشفع لهم عند خالقهم لفصل القضاء، فيأتون آدم ـ عليه السلام ـ فيقولون: ألا تشفع لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ ليقض بيننا ربك إما إلى الجنة وإما إلى النار، فيقول: نفسي نفسي.

إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى نوح، فيأتونه فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتونه فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيأتونه فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فيأتونه فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم [فإذا كان الأنبياء يقول أحدهم نفسي نفسي فكيف بغيرهم؟ فكيف بمن كسب الذنوب؟!!]

فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقولون: ألا تشفع لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول:"أنا لها، أنا لها".

قال صلى الله عليه وسلم:"فأسجد تحت العرش ويلهمني ربي من المحامد ما لا أعرفه اليوم، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفّع، فأقول: يا رب: أمتي أمتي".

بأبي هو وأمي ما قال: فاطمة ولا قال خديجة، بل قال: أمتي أمتي، فتباً لمن أعرض عن هداه.

فيشفع عند الله سبحانه وتعالى، فيجيءُ الله سبحانه وتعالى مجيئاً يليق بجلاله، لفصل القضاء بين الناس، {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملكُ صفا صفاً} ، ولا يتم فصل القضاء بين الخلائق إلا بشفاعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منةً امتن الله سبحانه وتعالى بها عليه، وهي الوسيلة والمقام المحمود التي أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله جل وعلا أن يبلغه إياها.

ثم يأذن الله سبحانه بالحساب، ويطلع سبحانه عباده على أعمالهم ويقررهم بها، فمن مجازى ومن معفو عنه، قال تعالى: {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} .

فمن الناس من يحاسب حساباً شديداً يُناقَشُ فيه على أعماله فهو هالك لا محالة، قال صلى الله عليه وسلم:"ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك".

ومن الناس من يحاسب حساب عرض، فيقرره الله سبحانه بذنوبه ثم يغفر له ويتجاوز عنه.

ولما سمعت أمّنا عائشة رضي الله عنها قول النبي:"ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك"، قالت: ألم يقل الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً} ، قال صلى الله عليه وسلم:"إنما ذلك العَرْض، ولكن من نُوقِش الحساب عُذِّب".

وفي ذلك الموقف تتجلى رحمة الرحيم الرحمن فيشمل بها بعض عباده فيقرره بذنوبه ثم يتجاوز عنه ويغفر له، جاء رجل إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فقال: جئت أسألك عن حديث المناجاة، فقال رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه ويستره، فيقول الله عز وجل: تعرف ذنب كذا؟ تعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي ربّ نعم، حتى يرى من نفسه أنه قد هلك، فيقول الله عز وجل: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} "، فنسأل الله أن يعاملنا بجميل ستره في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن يتجاوز عنهم بمنه وفضله.

ومن تمام عدل الله أن تحشر البهائم، ويقع القصاص بينهم حتى إن الشاة التي لا قرن لها لتأخذ حقها من الشاة القرناء التي نطحتها في الدنيا، وهذا القصاص من باب المقابلة لا التكليف، ولإظهار عظيم عدل الله، قال صلى الله عليه وسلم:"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء"، فإذا قضى بالحقوق بين البهائم العجماوات، فكيف بحقوق العباد ومظالمهم؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت