وهذا لقمان- رحمه الله تعالى- لأن العلماء اختلفوا في نبوته، فقيل أنه كأن نبيا، وقيل أنه كان عبداً صالحا، والصحيح أنه كان عبداً صالحا، لقمان هذا روي عنه أنه كان في أول حياته يرعى الغنم، وكان مولى أحد الناس، ولكنه لما تخلق بالأخلاق رفع الله منزلته إلى منزلة عالية، فصار يبلغ الحكمة للناس، وقد روى أبن جرير عن عمر بن قيس قال: كان لقمان- عليه السلام- عبداً أسود غليظ الشفتين، فكان جالس في مجلس مع أناس، فجاءه رجل وهو يحدثهم فقال له ألست أنت الذي ترعى الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال لقمان نعم، قال فما بلغ بك ما عرفت، قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيك، وفي رواية أنه قال قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيك، وفي رواية قال: أن الذي أوصلني إلى ما ترى غضي بصري، وكف لساني، وعفتي مطعمي، وحفظي فرجي، وقولي بالصدق، ووفائي بالعهد، وتكرمي لضيفي، وحفظي لجاري، وتركي ما لا يعنني، فذلك الذي صيرني إلى ما ترى، بماذا أوصى لقمان ابنه ؟ لقد أوصى لقمان الصالح ابنه بعدة وصايا، ينبغي أن نقف عندها قليلا، وأول وصية أوصى بها لقمان لابنه أن حذره من الشرك بالله تبارك وتعالى، حذره من الشرك بالله فقال: (( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) (لقمان:13 ) .
دعاه إلى التوحيد وحذره من الشرك، والشرك لا شك أنه ظلم عظيم، ولما نزلت: (( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) (الأنعام:82 ) .
قال الصحابة- رضي الله عنهم-: وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله ؟ وأينا لا يظلم نفسه يا رسول الله، خافوا، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: وهي قول لقمان: (( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) (لقمان:13) .
الوصية الثانية: أنه أمره ببر الوالدين فقال: (( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ) ) ( الأحقاف:15) .
فإن جاهدك على أن تشرك بي فلا تطعهما، فأوصى لقمان لابنه بالإحسان إلى الوالدين حتى ولو كان مشركين، فكيف إن كان كذالك، فالابن مأمور بالبر بهما وبصلتهما، والله تعالى يقول: (( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) ) (لقمان:15) .
فإن الله تبارك وتعالى ما قال وإن جاهدك على أن تشرك بي فاشتمهما وسبهما وحاربهما، وإنما قال فقط فلا تطعهما، قال فصاحبهما في الدنيا معروفا، الإنسان مأمور بالإحسان إلى والديه ولو كانوا على شرك، لكن إذا أمر بالشرك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويلاحظ أن الله تبارك وتعالى دائماً يوصي الابن بالبر بوالديه ولم يرد نص فيه وصية الأب لولده أو الأم لولدها، لأن عناية الأب والأم لولدها فطرية، فالأم والأب حريصين على العناية بابنهما عناية فطرية كل الحرص، ولكن الابن هو الذي قد يعق والديه، فأوصى الله بالإحسان إلى الوالدين، وقارن ذالك بعبادته وحده لا شريك له، (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) ) (الإسراء:23) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الكبائر أعد منها عقوق الوالدين، فالابن مأمور إلى أن يحسن إلى والديه وأن لا يعقهما وأن يصاحبهما إذا كانا مشركين، أن يصاحبهما في الدنيا معروفا.
ثم تأتي الوصية الثالثة: من وصايا لقمان لأبنه يقول لقمان: (( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) ) ( لقمان:16) .
أوصاه بمراقبة الله تبارك وتعالى، أن الله مطلع عليك، وأي عمل تعمله جل أو أبخس كثر أو قل فالله تعالى يحصيه، والله تبارك وتعالى يعلمه، والله تبارك وتعالى كتب ذلك في كتاب لا يغادر صغيرة وكبيرة إلا أحصاها، فأوصى ابنه بأن يراقب الله في أفعاله وفي أقواله وفي تصرفاته، وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما أورد الإمام أحمد في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله كائن ما كان ) ).
فيا أيها العبد راقب ربك ولا تشرك به، اعلم أن الله مطلع عليك في أي خطوة من خطواتك، وفي أي روحة من روحا تك، وفي أي فعلة من فعلاتك، وفي كل تصرف من تصرفاتك، اعلم أن الله تبارك وتعالى مطلع عليك فراقبه واعمل صالحا، وابتعد عن السيئات، لأن الله تبارك وتعالى يقول: (( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ) ( الزلزلة:8،7 ) .
والوصية التالية من لقمان لابنه هي: أن يوصيه بمراقبة الله تبارك وتعالى، إما الوصية الثالثة فهي أن أوصاه بالصلاة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذالك من عزم الأمور، أمره بالصلاة وهي عمود الإسلام، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمره على أن يصبر على ذالك، لأن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلا بد أن يناله أذى الناس، ومن ثم فهو مأمور بالصبر على أذاه، وهكذا تكون الوصية من لقمان لابنه رحمهم الله تعالى، أما الوصية التي بعدها فهي وصية فيها آداب وأخلاق حميدة، يقول الله تبارك وتعالى عن لقمان على لسان لقمان عدة وصايا منها: (( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) (لقمان:18 ) .
أي لا تعبس في وجه الناس بالتكبر، وأوصاه بأن لا يمشي في الأرض مرحا ولا تمشي في الأرض مرحا، أن الله لا يحب كل مختال فخور، أي لا تمشي في الأرض بطراً لما لك من مال أو جاه، معجب بنفسك، لأن هذه صفة مذمومة، أي امشي متواضعا بالسكينة لا مشية البطر والتكبر، تم أوصاه بأن يغض من صوته.
(( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ) (لقمان:19) .