فهرس الكتاب

الصفحة 8259 من 9994

إلى هدا الوقت وهو يدعو الله ليغفر لأبيه، وأن يدله على الهداية، وأن يجعله من عباده المؤمنين، وهذا يدل على عظم شفقة إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- وحرصه على هداية أبيه، ولقد كان هذا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه من بعده، رسول الله صلى الله عليه وسلم حرص على هداية أقرب المقربين إليه، دعا أعمامه ودعا أقاربه، دعاهم إلى الهداية، وحرص على هداية عمه أبي طالب حتى قبيل وفاته، لكن كما قال الله تعالى: (( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) (القصص:56 ) .

والصحابة- رضي الله عنهم- كان الواحد منهم لما يدخل الإسلام يذهب إلى أهل بيته ويدعوهم إلى الإسلام، يدعو أباه ويدعو ابنه ويدعو زوجه، يريد لهم الهداية، يدعوهم إلى النجاة يوم القيامة، وأبو هريرة الصحابي الجليل المكثر من الحديث- رضي الله عنه- وأرضاه، راوي الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثا، أسلم سنة سبعين للهجرة، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولازم أصحابه ملازمة الظل لظله حتى دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، كان يحفظ ولا ينسى، أبو هريرة الذي دعا أمه للهداية، أبو هريرة الذي حفظ عنه مائة حديث حدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصوروا كيف تكون دعوته لأمه، ولكنها أبت وأبت أن تدخل معه في الإسلام، وأبو هريرة يحاول معها ليلاً ونهاراً، ولكنها رفضت أن تدخل في الإسلام، ولما يئس هذا الصحابي الجليل وهو يعلم أن الهداية بإذن الله، وهو يعلم أن الهداية بيد الله، ولو كانت بيد أحد لهدى الرسول- صلى الله عليه وسلم- عمه أبا طالب، يعلم ذالك ولكنه لا ييأس، ولما بلغ به الأمر منتهاه ودعا أمه في أحد الأيام، ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً أن تدخل في الإسلام، أصابه حزن عميق، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني دعوت أمي إلى الإسلام فلم تستجب لي، فأدعو الله كي يهدي أمي، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( اللهم اهدي أم أبي هريرة ) ).

فرجع أبو هريرة آمناً بهذا الدعاء، آمناً أن يستجيب الله لرسوله، ذهب يحاول مع أمه يوماً أو يومين، أو شهراً أو شهرين، أو سنةً أو سنتين، لعلها تبلغها هذه الدعوة المباركة، وذهب إلى أمه ولما أراد أن يدخل إلى بيته وجد الباب مغلقا، ففتح الباب، فلما فتح الباب سمع خضخضة الماء، فقالت له أمه: دونك انتظر قليلا، فلما انتظر قليلا، وإذا به يرى أمه قد اغتسلت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فاستجاب الله لدعائه، استجاب الله دعاءه، فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وألحقنا بهم أمين يا رب العالمين.

أن إبراهيم دعا أباه فلم يستجب، واستغفر لأبيه ودعا ربه فلم يستجب له ومات على الشرك، يقول الله تعالى عن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام-: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ) ) ( التوبة:114،113) .

تبرأ إبراهيم من أبيه لما رأه أنه على الشرك، ولما رأه أنه عدو لله تعالى، وإبراهيم- عليه السلام- كان أمة، وكان قدوة لهذه الأمة، اختص إبراهيم- عليه السلام- من دون الأنبياء أنه قدوة، (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) (النحل120) .

(( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) (النحل:123) .

لما أمر الله تبارك وتعالى باتباع إبراهيم وأنه قدوة، بين هذه المسالة فقال تعالى: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) ) (الممتحنة:4) .

أي اقتدوا بإبراهيم فيما سبق إلا قوله لأستغفرن لك، فلا تستغفرا للمشركين، لا تستغفروا للمشركين لأنهم رضوا أن يكونوا مشركين، ولأنهم رضوا أن يكونوا بعيدين عن عبادة الله الواحد الأحد الحكيم، وهكذا يكون أسلوب إبراهيم رقة وعطفا، وحناناً ودعاءً من القلب، كي يهديه الله، فلما أبى تبرأ منه، ولقد كانت لإبراهيم عليه السلام قصة في يوم القيامة، أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، وفي كتاب التفسير عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغضب، فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني، فيقول له أبوه فاليوم لا أعصي، فيقول إبراهيم يا ربي إنك قد وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أب أبعد، فيقول له الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، قال فيريد إبراهيم أن ينظر تحت رجليه فإذا هو بزيخ يرى أباه قد مسخ زيخا، والزيخ هو ذكر الضباع، قال فيتلطف فيؤخذ بقوائمه فيلقى في نار جهنم ) ).

هكذا يحرص إبراهيم على هداية أبيه حتى يوم القيامة، علينا أن نتدبر ونتعض من هذه القصة، كيف حرص إبراهيم عليه السلام على هداية أبيه؟ قد يوجد منا من يكون أباه ضالاً أو منحرفاً فما هو دور الابن هنا؟ ما هو دور الابن مع أبيه، هل يتبرأ من أبيه من أول مرة، أو يحرص كل الحرص مع الاحترام والتقدير، ومع الأدب الشديد مع أبيه، يحرص كل الحرص على هدايته ودلالته، ينوع الأساليب، يبحث عن الوسائل المختلفة، يدعوه إلى الله بالأساليب المختلفة، إن كان لا يستطيع هو فليوصي من يدعو أباه، يدعو الله في جوف الليل أن يهدي أباه، وهكذا إذا رأى من أبيه ما يغضب الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إن قصة إبراهيم- عليه السلام- مع أبيه تعطينا درساً في علاقة الابن مع والده، محبة وإشفاقا واحتراما، حرصاً على هدايته، وحرصاً على أن يكون معه يوم القيامة في الجنة، حرصاً على أن يكون هو وأباه على سرر متقابلة عند الله تعالى، وهذا هو المنهج الصحيح في الدعوة، ونمر بعد ذلك إلى النمودج الثالث حين تكون الأسرة مؤمنة، حين يكون الأب مؤمناً والولد مؤمن، فبماذا يوصي بعضهم بعضا، (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) ) ( لقمان:12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت