وبعد مجادلة لوطٍ لقومه المفسدين طمأن الملائكة لوطاً - عليه السلام - وقالوا له: (( قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ إمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) ) (هود: 81 ) .
ولما طَلَعَ الفجرُ نَجَّى الله لوطاً ومن معه من المؤمنين ورٌفِعَت قُرى هؤلاء القوم المجرمين نحوَ المساءِ حتى سَمِعَتِ الملائكةُ صياحَهم وصياحَ حيواناتهم ثم قَلَبها عليهم فَجَعَلَ عاليها سافلها ونزلت عليهم مع ذلك حجارةٌ شديدةٌ صلبة متتابعةٌ (( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) ) (سورة: 82, 83) ..
فجعلهم آية للعالمين، وعبرةً للمعتبرين، ونكالاً وسلفاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارَهم بِطَريقِ السالكين (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ* وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) )سورة (الحجر: 75 - 77) .
أخذهم على غِرّة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ذهبت اللذاتُ، وأعقبتِ الحسراتُ، إنقضتِ الشهواتُ وأَوْرَثَتْهم الشقوات تمتّعوا قليلاً فعُذِّبوا طويلاً فلو رأيت الأعلى والأسفلَ من هذه الطائفةِ الخبيثةِ والنيران تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم ، وهم ما بين أطباق الجحيم، يُصَبُّ من فوقِ رؤوسهم الحميم، ويقال لهم وهم على وجوهِهِم يُسْحَبون ذوقوا ما كنتم تكسبون ولإخوانهم ومن عمل بعملهم أمثالُها وما هي من الظالمين ببعيد [2] .
(إن ديار قوم لوطٍ ليست ببعيدةٍ من الكفّار المكذبين لنبينا صلى الله عليه وسلم فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام(( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) )الصافات: 137- 138) .
(( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) ) (سورة: 10) .
(( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَة ) ) (سورة: 102- 103) .
أيها المسلمون: ولقد خافَ النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم على أمتِه أن يعملوا بعملِ هؤلاءِ القوم المجرمين ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أخوفَ ما أخافَ على أمتي عملُ قومِ لوطٍ ) ) [3] .
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الترمذي أيضاً (( ومن وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوطٍ فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ).
فحدُّ اللوطيِّ هو القتلُ بكل حالٍ قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية - رحمه الله - (قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام، ودين سائر الأمم بعدَ قومِ لوطٍ تحريم الفاحشة اللوطية، ولهذا بيًّن اللهُ في كتابه أنه لم يفعلها قبل قوم لوط أحدٌ من العالمين، ولقد عذَّب الله المستحلّين لها بعذابٍ ما عَذّبَ به أحداً من الأمم حيث طَمَسَ أبصارهم، وقَلَبَ مدائهم فجعل عاليها سافلها وأتبعهم بالحجارة من السماء) إلى أن قال - رحمه الله - عن اللوطيين [ اتفق الصحابة على قتلهم جميعاً، لكن تنازعوا في صفة القتل، فبعضهم قال: يُرْجَم، وبعضهم قال يُرْمَى من أعلى جدارٍ في القرية ويُتْبَع بالحجارة، وبعضهم قال يُحرَّق بالنار، ولهذا كان مذهبُ السلف والفقهاء أنهما يرجمانِ بكرين كانا أو ثيبينِ ) أ.هـ كلامه - رحمه الله تعالى [4]
وقال ابن القيم - رحمه الله -: (وأجمع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلِه - يعني اللوطيَّ فلم يختلف منهم رجلان ) .. وحَرَّق خالدُ بنُ الوليد لوطياً بأمر أبي بكر - رضي الله عنه - وثبت تحريقهم عن علي بن أبي طالب وابن الزبير وهشام بن عبد الملك ولقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل هذه الفاحشة ففي مسند الإمام عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( معلونٌ من عملِ بعملِ قومِ لوط ) ) [5] .
أيها المسلمون: إن مشكلة اللوطِ اليومَ لا تقتصر على وجود أشخاصٍ شاذين في أنحاء متفرقة من العالم، بل لقد أصبح لهؤلاء المنحرفين، جمعياتٌ في بلدان الغرب تحميهم وتنظم علمهم القبيح فتّباً لهؤلاء الكفار ما أضلَّ سعيَهم ، وما أعظم شقاءهم ولا يُستغرَب هذا منهم، وإنما يَحُزُّ في النفس أن يوجدَ من شبابِ المسلمين من يقترفُ هذه الفاحشة الممقوتة بشكل ملفت للنظر وعند رجال الهيئات والجهات المسؤولة الخبرُ اليقين ( فإنا لله وإنا إليه راجعون) .
نسأل الله العافية . يا سبحان الله كيف يرضى مسلم عاقل لنفسه هذا المستوى المنحطَّ أين الغيرةُ والحميةُ ؟ أين العزةُ والكرامةُ ؟ أين الشهامةُ والرجولةُ ؟
حقاً إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوبَ التي في الصدور وصَدَق الله (( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) ) (فاطر: 8) .
فيا أيها الآباءُ والمربون إليكم باختصارٍ شديد بعض الأسباب التي تُوقع في هذه الفاحشة عصمني الله وإياكم وذرياتنا منها بمنّه وكرمه .ولنكون على درايةٍ ووقايةٍ فإن الوقاية خير من العلاج فمن الأسباب:
* الغفلةُ عن الولد وعدمِ تحذيره من صحبة الكبارِ و الفساقِ ولاسيما الأقاربُ فإن أبناء العم والخال الفاسقين - أشد ضرراً في الغالب من البعيد، وقد يفسدون الولد وأهلهُ لا يشعرون .
* ومن الأسباب عدمُ تلبيةِ حوائجِ الولد ومن ثم يلجأ إلى من يلبّي حاجته ويوفر رغبتَه، ويعرض عليه أنواعَ المغريات من نقودٍ وقيادة سيارة وغيرها مقابلَ فعل الفاحشة والتورّطِ في هذه البلية.
* ومن الأسباب عدمُ تنشئةِ الولد منذُ الصغرِ على الخوف من الله ومراقبتِه، وأنه لا تخفى عليه خافية .
* ومنها الميوعةُ والتخنثُ الذي ابُتلي به بعض الصبيان كإطالة الشعر تشبهاً بالنساء ولبسِ الضيّق الذي يصف تقاطيع البدن من (بنطلونات) وغيرها أو التكسّرُ في المشية والكلام والترددُ على الأماكن المشبوهة .
* ومن الأسباب أيضاً التساهلُ في معاشرة المردانِ وصحبتهم وإدمان النظر إليهم ولهذا كان السلف يحذّرون من مجالسة المردان والخلوة بهم ولاسيما أهلُ الترف والنعمة منهم .
قال الحسن بن ذكوان: - رحمه الله - ( لا تجالسوا أبناء الأغنياء فإن لهم صوراً كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى) .
وقال بعضهم (إذا رأيت من يُحِدّ النظرَ إلى الأمردِ فاتّهمْه) .
وقال عطاء - رحمه الله - كل نظرة يهواها القلب لا خير فيها) .
وقال ابن الجوزي - رحمه الله - صحبة الأحداث - أي الصغار - أقوى حبائل الشيطان التي يصيد بها ..
* ومن الأسباب الفراغُ والخلوّ من الشواغلِ عند كثيرٍ من الشباب فتجده ضائقاً ليس في أمر دين ولا دنيا .