إنها سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل ، ما التقى الحق والباطل في ساحة أو معركة إلا انتصر الحق (( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) ) ( الفتح:23,22) .
أمة أخرجت الصديق ثاني اثنين ، والفاروق الذي يفر الشيطان منه ، وعثمان الحمي الزاهد الأواب وصاحب الفتوحات ، وعلي بن أبي طالب صاحب الراية يوم خبير ومحارب المارقين من الخوارج ، ومعاوية بن أبي سفيان خال المسلمين وأعدل ملوكهم وأحلمهم ، والوليد بن عبدالملك الذي فتحت الفتوحات العظيمة في عهده كأيام عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبدالعزيز أشيم بني أمية الخليفة الراشد والإمام الزاهد ، وهارون الرشيد الذي يحج عاماً ويغزو عاماً ، والمعتصم فاتح عمورية ، وأبا القاسم محمود بن سبكتكية فاتح الهند ، وموسى بن نصير فاتح المغرب ، وطارق بن زياد فاتح الأندلس ، وصقر قريش عبد الرحمن الداخل ، وعبد الرحمن الناصر مؤدب ملوك النصارى ، ويوسف بن تاشفين أمير المؤمنين بطل موقعة الزلاقة ، والظاهر بيبرس قاهر الصليبيين ومدمر إنطاكية وغازي المغول ، والملك أشرف خليل فاتح عكا ، والسلطان مراد فاتح بلغارية ومؤدب أمراء البوسنة والهرسك ، وبا يزيد الصاعقة ، ومحمد الفاتح فاتح القسطنطينية ، والسلطان الغازي سليمان القانوني فاتح بلغراد وفاتح بلاد المجر المحاصر لفيينا عاصمة النمسا ، بل أمة عطر سماءها شذا حمزة ، وخالد بن الوليد ، والمثنى بن حارثة ، ومسلمة بن عبد الملك وغيرهم و غيرهم من القمم الشوامخ ، والأسود الصوارخ لهو خير شاهد على مستقبل هذه الأمة ولا أول من ذلك أيها الإخوة من مما نعايش هذه الأيام من هجمة شرسة ، ظالمة قوية ، تمالأت فيها قوى الكفر والأحزاب الصليبية وأعوانهم من المنافقين والرافضة المارقين على استئصال شجرة الجهاد في الفلوجة ، وهاهي إلى اليوم بحمد الله لم تستطع خرق المدينة على صغرها ، ومنيت بخسائر فادحة .. ووالله أيها الإخوة لو قرأنا ذلك في كتاب ، أو حدثنا عن أمة وارها التراب ، لطال عجبنا وكثر استغرابنا ، فكيف ونحن نعاصر ذلك ونعايشه ، فلا إله إلا الله ناصر المجاهدين ، ومؤيد المؤمنين ، وحامي الصادقين ..
أرسلوا الغازات القاتلة ، فأرسل الله السماء مدراراً ، وظهرت عليهم دواب ما رأوها من قبل ، ولا رآها أهل البلد من قبل (( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) ) (المدثر: 31) .
وفي الحصار الأول طالبوا بتسليم المجندين ذوي الثياب البيضاء (( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ ) ) (الأنفال: 9) .
فلوجة العزمات هش ثراك
طرباً إلى ما أنشدته خطاكِ
أشعلت قافية الإباء فلم يعد
للشعر فينا موقع لولاكِ
وفتحت نافذة الجهاد فأشرقت
منها على أرض العراق رؤاكِ
لما سرا المحتل في جنح الدجى
ما كان يعلم أنه سيراكِ
هو لا يرى في البحر إلا وجهه
متناسياً ما فيه من أسماكِ
أعماه سرب الطائرات فما رأى
ما في الفضاء الرحب من أفلاكِ
وهم العدو فسار في طرق الردى
وغزاه جيش الذل حين غزاكِ
لم يدرك المحتل أن رياحه
ساقت سفائنه بكف هلاكِ
لكأنني بالريح تحمله إلى
وادي سحيق كلما أذاكِ
فلوجة العزمات تكفي وقفة
كشفت قناع الظالم الأفاكِ
إنا لتؤلمنا دماؤك حينما
تجري بلاحق ونار أساكِ
والله لو وجدوا تآلف أمتي
سداً لما سلبوك قطر نداكِ
وجدوا الطريق ممهداً فتقدموا
حتى أشارت بالوقوف يداكِ
أواه يا فلوجة العزمات من
قوم يرون البأس حين طواكِ
وهنت عزائمهم فأشجع فارس
فيهم نهاه المعتدي فنهاكِ
ما زال يشرب كأس ذل لو رأى
منك القبول بشربها لسقاكِ
فلوجة العزمات لست رخيصة
فجهادك الميمون قد أغلاكِ
أنا ما دعوتك يا أبية إنما
صدق المحبة في الفؤاد دعاكِ
لا تيأسي فلرب يوم قادم
بالنصر تبصر فجره عيناكِ
ألا فألحي يا أمة الإسلام واستمسكي بالدين القويم ، واعتصمي بحبل الله جميعاً ولا تتفرقي ، ولا يقتل بعضك بعضاً ، ولا يسفك بعضك دماء بعض ، حققي التوحيد في أقوالك وأعمالك ، واجتنبي مظان الشرك ومسالكه ومهالكه ، أجمعي الكلمة ، ورأبي الصدع ، وسدي الخرق ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، ويا قادة هذه الأمة ويا ولاتها وحكامها إن مسؤليتكم عظيمة ، فـ (( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) )، سوسوا شعوبكم بكتاب الله يطيعوكم ، واحكموهم بسنة رسول الله يحبوكم ، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، خذوا على يد المبطل والمفسد ، وكونوا سنداً وعضداً لأهل الخير والدعوة والحسبة والإصلاح ، اتخذوا العلماء الربانيين بطانة تفلحوا وترشدوا ..
ويا علماء المسلمين إن مسؤوليتكم في تبليغ هذا الدين كبيرة ، ودفع الظلم عنه ، ورفع المعاناة عن المسلمين ، أمانة في أعناقكم جسيمة ، فالله الله بهذه الأمانة فإنكم مسؤولون عنها ..
ويا دعاة الإسلام دوركم كبير في استنقاذ هذه الأمة ، وإيقاظها وإعادتها إلى الله ، دعو بنيات الطريق ، واتركوا الإغراق في الزلات ، ونسيان المحاسن ، اجمعوا كلمة المسلمين ، ووحدوا صفهم ، ووجهوا شبابهم وطاقاتهم إلى النافع المثمر ، وجهوهم إلى استثمار جهودهم وعدم استنزاف الأمة وإدخالها في شقاق وخلاف وسفك دماء .. (( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) ) (آل عمران: 103) .
الخطبة الثانية
الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ..
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ..
أيها الإخوة .. هل رأيتم أعظم مقتاً من الكسل بعد الجد ، والتواني بعد العزم ، والنقض بعد الإبرام ، نعم أولئك الذين وفقوا لعمل الطاعات والتزود من الخيرات في شهر الصيام ، حتى إذا ما انتهى الموسم نقضوا ما أبرموا ، وعلى أعقابهم نكصوا ، فبدل دروس الطهر والصلاح ، والاستقامة والفلاح ، في شهر رمضان عادوا إلى حمأة الصبوات والهفوات ، ومقارفة الآثام .. لطالما بكت عيونهم ، وجاشت نفوسهم خوفاً من عذاب ، أو طمعاً في ثواب ، حتى إذا هل عيد الفطر فكأنهم من عقالهم نشطوا ، فالعيون الباكية نظروا فيها إلى الكاسية العارية ، والأسماع التي طالما استعذبت كلام الرحمن استبدلت ذلك السمع المحبوب بسماع ممقوت يبغضه الله ، استبدلته بغناء الشيطان ، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومن الانتكاس بعد الهداية ، فهؤلاء رمضانيون لا ربانيون ، ولكن عباد من عباد الله جدوا واجتهدوا واستمرا على دروس الطهر والاستقامة التي علمهم عليها رمضان ، وتمثلوا قول الرب سبحانه (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) (الحجر: 99) .
فكانوا حقاً ربانيين لا رمضانيين ..