فهرس الكتاب

الصفحة 8153 من 9994

نعم إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق ، وقامت في طريقها العراقيل ، ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار ، وقوى الدعاية والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة .. وإن هي إلا معارك تختلف نتائجها ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله ، والذي لا يخلف ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه ، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية ، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة ، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان ، فمهما كاد له الكفرة والمبطلون فإنه ظاهر لا محالة (( رِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (الصف: 8,9) .

فهاهو رسول الله يخرج طريداً من مكة مختفي عن أنظار المشركين خائفا على نفسه وصاحبه ، وما هو إلا قليل حتى فتحت له مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب ، وأرض اليمن بأكملها ، وأخذت جزية مجوس هجر وبعض بلاد الشام ، فأنفقت في خزانة المسلمين ، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة ، وخابت مساعي الكافرين في النيل من هذا الدين وكسر شوكته ، واستئصال شأفته ، فكم كادت بنو إسرائيل لهذا الدين إبان ظهوره ، وعادت مساعيها سدى ، وكم حاول المنافقون تسويد صفحاته المشرق ، وطمس رموزه الظاهرة ، فانقلب السحر على الساحر: (( لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) ) (النور: 11) .

وكم كادت الصليبية الحاقدة لطمس هذا الدين وأهله ، لكن خابت مساعيها ، وضاعت جهودها (( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) (الأنفال: 30) .

وكلما حاولوا التضييق عليه ، زاد الله في انتشاره وظهوره .. فعن تميم الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يعز الله به الإسلام ، وذلاً يذل به الكفر ) ) [1] .

وعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ) ) [2] .

وعن أبي قبيل قال كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبدالله بصندوق له خلق ، قال: فأخرج منه كتاباً ، قال فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله نكتب ، إذ سئل رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله: (( مدينة هرقل تفتح أولاً يعني القسطنطينية ) ) [3] .

ورومية أيها الإخوة هي روما عاصمة إيطاليا اليوم ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر ؟ لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق ، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ، ولم يرموا بسهم ، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر ، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر ، ثم يقولون الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر ، ثم يقولون الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج ، فيتركون كل شيء ويرجعون ) ) [4] .

ألا فلا تيأسي يا أمة الإسلام ، فإن النصر قادم ، وإن الفرج قريب ..

أيها الإخوة: ما أجمل أن تتعانق فرحتنا بالعيد مع إيماننا بوعد الله ورسوله لتحرق هذه الأنوار كل ظلام نسجه اليأس ، أو صبغه الشيطان في قلوب المسلمين ، ما أجمل أن نتذكر بفرحتنا بالعيد فرحتنا بعز هذا الدين وظهور أهله ، وانتصار أولياءه ، ما أجمل أن نتذكر بفرحتنا بالعيد فرحتنا بصغار الكافرين وذلهم ، وقسم أموالهم في خزائن المسلمين ، ما أجمل أن نجعل من تلك الجراح النازفة ثغوراً تبتسم بالعز والتمكين في القريب العاجل ، وأن نجعل من هؤلاء الشهداء والقتلى ، دماء تسقي شجرة الإسلام لتورق وتزهر من جديد ..

وهكذا كان هديه صلى الله عليه وسلم وأمره فقال: (( بشروا ولا تنفروا ) ).

وقال: (( بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض ) ) [5]

وهاهو سراقة بن مالك يطارد رسول الله وصاحبه أبا بكر وهما مهاجران طمعاً في جائزة قريش المغرية ، ويستحث فرسه لتلحق برسول الله وصاحبه ، وما هو إلا بأقدامها تغور في التراب ، فيعاهد سراقة رسول الله أن يخذل عنه ، وفي هذه اللحظة ورسول الله خارجاً من مكة لا يملك شيئا ، قد ترك داره وماله ، فينادي سراقة يا سراقة كيف بك وسواري كسرى ، يعده بسواري كسرى ملك الفرس ، إنه ليقين بنصر الله وبوعده في أصعب المواقف وأحلكها ، وفي يوم الأحزاب ويا له من يوم يقول الله تعالى عنه (( إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا*هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) ) (الأحزاب: 9-11) .

وفي هذه الساعات الرهيبة والرسول مع أصحابه يسهم في حفر الخندق وبهم من الخوف والجوع ما الله به عليم ، كان النبي يتشرف النصر من بعيد ويراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ، يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول ، والمستقبل المرجو بفتح بلاد كسرى وبلاد قيصر وبلاد اليمن ، حديث الواثق المطمئن ، الذي أثار أرباب النفاق عند الزلزلة فقال أحدهم وهو معتب بن قشير في ضيق وحنق مصوراً حالة المنافقين جميعاً ( كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ) .

ألا ما أحوج الأمة هذه الأيام لبث روح الأمل في نفوسها ، فإذا كان رسول الله يبشر أصحابه ويذكرهم بوعد الله مع ما في قلوبهم من الإيمان والرضى ، فكيف بعصرنا هذا فنحن أحوج ما نكون إلى هذه المبشرات ، وتذكير الناس بوعد الله ووعد رسوله حتى لا يدب اليأس إلى نفوسها فتخور عن العمل ..

فو الله الذي لا إله غيره أن هذا الدين لمنصور ، وسيظهر لا محالة بعز عزيز أو بذل ذليل ، وما يحصل من قتل وتشريد ، وإيذاء وتسلط وإذلال لإخواننا المسلمين فإنما هو ابتلاء من الله تمحص به الأمة (( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) ) ( الأنفال: 37) .

ليظهر الخبيث بعد ذلك مكشوفاً في العراء ، مهتوك الستر ، مفضوح الجانب ، لا يوريه شيء ، ويبقى الطيب منصوراً بإذن الله ، ظاهراً بأمر الله لا يضره شيء ولو كادته السماوات والأرض ، ويوشك في القريب العاجل بإذن الله أن تنقلب هذه الابتلاءات إلى انتصارات وفتوحات (( قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ) ) (الإسراء:51) .

(( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ) (الروم: 4-6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت