القدوة هم العلماء الربانيون والدعاة الصالحون وأبطال الجهاد في الماضي والحاضر قال تعالى: (( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ) (الأنعام:90) .
إن في تصدير هؤلاء المطربين والمطربات وتلميعهم إشغال لشباب الأمة عن الجهاد والعمل لدينهم ، إن أعداءَنا يريدون شباب الأمة أن يعيشوا على الآهات والنغمات ويحيوا على الفسق والغرام يريدونهم أن يناموا في أحضان البغايا لا أن يناموا في أحضان المنايا والجهاد والعمل لهذا الدين، إذ لو فعلوا لدمروهم واستأصلوا شأفتهم .
إن من أعظم أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله ، الإصرار على المعاصي وإلفها كالغناء وغيره ، فإن الإنسان إذا ألف شيئاً مدة حياته واحبه وتعلق به ، يعود ذكره إليه عند الموت ، ويردده حال الاحتضار في كثير من الأحيان وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله:"إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت، مع خذلان الشيطان له ، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان ، فيقع في سوء الخاتمة ، قال تعالى: (( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ) ) (الفرقان:29) أهـ."
فينبغي علينا جميعاً أن نحذر من سوء الخاتمة وليكن من رأيناه يسقط ميتاً وهو يدندن بالأغاني عبرةً لنا وعظةً في المبادرة إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (( أن المرء يبعث على مات عليه ) ), وقال أيضاً: (( إنما الأعمال بالخواتيم ) ).
وإنه لابد لكل من أراد حسن الختام أن يعمل بالتوبة النصوح قبل فوات الأوان إن كان ممن يزاول مهنة الغناء أو يستمع إلى الغناء أو يُصدره فعليه أن يسارع بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى حتى لا يقبض وتأتيه منيته وهو على تلك المعصية حينها لا ينفع الندم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ..
عباد الله: هذا هو الغناء يا عباد الله ، وهذه هي أضراره ومفاسده ، ووالله ما أكثرها وما أشدَ خطرها ، وإن الغناء حرام حرمه الله ورسوله ، وهذا حكمٌ صريحٌ واضحٌ في منع الغناء وتحريمه وتفسيقِ فاعِله والمستمعِ إليه.
يقول ابنُ القيم - رحمه الله تعالى -: ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك فأقلُ ما فيه: أنه شعارُ الفساق وشاربي الخمور"أهـ ."
وقال مالك - رحمه الله تعالى - لما سئل عن الغناء: (إنما يفعله عندنا الفساق ) أهـ .
نعم - عباد الله- هو حرام لا يجوز فعله ولا استماعه البتة .عن نافع قال: سمع ابنُ عمر مزماراً قال: فوضع أصبعيه على أذنيه ، ونأى عن الطريق ، وقال لي يا نافع هل تسمع شيئاً ؟ قال: فقلت: لا ، قال: فرفع أصبعيه من أذنيه ، وقال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا ) [ رواه أبو داودَ وصححه الألباني ] .
أيها الشيب والشباب: إن مجالس الغناء وحفلاته ومهرجاناته وأشرطته لغوٌ ولهوٌ فلنبتعد عنها ولنطهر أسماعنا منها ، ومن صفات أهل الإيمان أنهم بعيدون عن اللهو واللغو ، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) ) (المؤمنون:3) .
أيها الآباء ، أيها الأولياء ، يا من أنتم مؤتمون على بيوتكم ومؤتمون على نسائكم و مؤتمنون على ذراريكم ، طهروا بيوتكم من هذا الغناء وهذه المعازف ومن هذه الأنجاس ، واقطعوا عنها هذه الأصوات الملعونة ، والمزامير الشيطانية.. إنَّ الرجلَ الغيورَ ذا الشهامة والعزة والكرامة لا يرضى بحالٍ لامرأته أو بنته أن تسمع غناءَ رجلٍ فاجرٍ يُطرِب بصوته ويفتنُ بصورته ويصفُ في غنائه العشقَ والحبَ والغرام.. أينَ الغيرة - يا عباد الله - بل أين الحمية ، وبعض الفحول من الرجال لا يرى غضاضةً ولا بأساً في أن تتلذذ ابنته بآهات المغنين من العرب والغرب و تتسلى بها ، حاملةً في الجيب صورَهم متتبعةً أخبارَهم .. ناهيكم عمن يسافرون ويبذلون الأموالَ لحضورها وبذلُ المال فيها حرام, وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. فاتقوا الله: أيها الأباء والأولياء في أسركم وبناتكم وأولادكم فإنهم أمانةٌ عندكم ستسألون عنها ، فالله جل وعلا يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (التحريم:6) .
ويقول النبيُ صلى الله عليه وسلم: (( إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه حتى يسأل الرجل عن أهل بيته ) ) [5] .
ويقول أيضاً: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته ) ) [6] . (( وكفى بالمرء إثماً أن يُضيع من يقوت ) ).
واعلم أيها الولي أنك سوف تسأل عن نفسك وعن ذريتك في يوم: (( لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) ).
في يوم رهيب: (( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ) ).
وإنني أوجهه نداءً إلى طائفةٍ علها أن تعي ندائي ، إنها طائفةٌ استُعملت فيما يغضب الله عز وجل ، إنها طائفة تُصدر الفساد وترعاه وتتفنن في إضلال الشباب .. إنهم أصحاب محلات الأغاني الذين ينتجونها ويسجلونها ويبيعونها على الشباب وعلى الناس .. إننا نقول لهؤلاء الذين يبيعون الأغاني: إنها محرمة وثمنها حرام عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ) ) [7] .
اتقوا الله واعلموا أنكم تبيعون حراماً وتنشرون فساداً وكسبكم خبيث: وما نبت من سحت فالنار أولى به ، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. ألا تخشى يا صاحبَ المحل من عقوبة الله وسخطه وأليم أخذه وعذابه .. فتب إلى ربك واستبدل بيعَ هذه الأشرطة ببيع أشرطةٍ قد سُجل عليها الكلم الطيب النافع من القرآن والسنة ، والمواعظ النافعة والخطب والمحاضرات المفيدة ، قال تعالى: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) ) (الطلاق:2) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ) ).
وأنت يا من تسمع الأغاني وهي هجيراك صباحاً ومساءً ، تدندن عليك في كل مكان، تشتريها وتدير مفتاح الراديو في السيارة على موجاتها، أ لا تخاف من رب العالمين الذي سوف يحاسبك ويسألك عن هذا السماع الحرام: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ) (الإسراء:36) .
عبدَ الله: السمعُ أمانةٌ عظمى، ومِنةٌ كبرى، امتن الله على عباده بها، وأمرهم بحفظها، وأخبرهم بأنهم مسؤولون عنها، وإن استماع المزامير والطنابير جحودٌ لهذه النعمة، واستخدامٌ لها في معصية الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه ) ) [8] .