أما الغناء مع الموسيقى، فأمرُه أشدُ وأنكى، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم عن أبي مالك الأشعري قولَه صلى الله عليه وسلم: (( لَيَكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَّ والحَرِيرَ والخَمرَ والمَعازفَ ) ).
وقد حاول قومٌ أن يطعنوا في هذا الحديث ، فقالوا: إنه معلقٌ لا يحتج به، ولكن البخاري - رحمه الله - رواه معلقاً بصيغة الجزم، وهو في اصطلاحه صحيحٌ ثابتٌ، وقد رُويَ متصلاً صحيحاً في كتب أخرى من كتب السنة، فرواه أبو داودَ وابنُ ماجهَ والترمذيُ وأحمدُ وغيرهم، ولو لم يكنْ في تحريم الأغاني إلا هذا الحديثُ لكفى..
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( ليشربن ناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير ) ) [1] .
وعن عمرانَ بنِ حُصينٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك ؟ قال: إذا ظهرت القينات - أي المغنيات - والمعازف وشُربت الخمور ) ) [2] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن لم يمسخ منهم في حياته مسخ في قبره أهـ.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء ) ) [3] .
والكوبة: هي الطبل.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صوتانِ ملعونانِ في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نغمة، ورنةٌ عند مصيبة ) ) [4] .
عبادَ الله: لقد حرم الله الغناء في مكة قبل الهجرة, وقبل أن تُفرضَ كثيرٌ من الفرائض, وقبل أن تحرمَ سائر المحرمات كالخمرة وغيرها, وذلك لخطورته على الأخلاق والسلوك، ولكي يشبَ القلبُ ويُبني على الطهارة والفضيلة من البداية.
مفاسد الغناء: إن مفاسدَ استماع الأغاني كثيرة ، وآفاتها خطيرة ، ولعل من أهمها: أنه يُفسدُ القلب قال الضحاك بنُ مزاحم: الغناءُ مفسدة للقلب مسخطة للرب.
ومن مضاره: أنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقلَ والزرع كما قال غير واحدٍ من السلف ، قال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب فلا يعجبني.
ومنها: أنه عدةٌ وعتاد للشيطان يُغري بهما عباد الله على الفسوق والعصيان ويفتنهم به عن عبادته ويصدهم عن سبيله ، قال تعالى: (( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ) ) (الاسراء:64) .
قال ترجمانُ القرآن عبد الله ابنُ عباس: صوت الشيطان: الغناءُ والمزاميرُ واللهو، وكذا قال مجاهدٌ والضحاك.
ومن مفاسد الأغاني: أنها تمحوا من القلب محبة القرآن الكريم فإنه لا يجتمع في القلب محبة القرآن ومحبة الألحان، لأن القرآن وحيُ الرحمن والغناءَ والمعازف وحي الشيطان وهما ضدان لا يجتمعان أبداً، فهو خيارٌ فردٌ وطريقٌ واحدٌ فاختر لنفسك أحد الطريقين قال ابنُ القيم رحمه الله:
حب الكتاب وحب ألحان الغناء *** في قلب عبدٍ ليس يجتمعان
ثقُلَ الكتابُ عليهمُ لما رأوا *** تقييده بشرائع الايمان
واللهوُ خفَّ عليهمُ لما رأوا *** ما فيه من طرب ومن ألحان
يا لذةَ الفساقِ لستِ كلذةِ *** الأبرارِ في عقلٍ ولا قرآنِ
ومن مضار استماع الأغاني: أنها مجلبةٌ للشياطين فهم للمغنين والمستمعين قرناء ، وما كان مجلبة للشياطين فهو مطردة للملائكة فالملائكة تحبُ الذكر وتحضره ، فما ذا يكون حالُ أهل بيت يخالطون الشياطين!! فيا أسفى على بيوت خلت من ذكر الله وخلت من ملائكة الرحمن، وعُمرت بالأغاني وامتلأت بالشياطين.
ومن المفاسد العظيمة بل الشنيعة للغناء: أنه رقية الزنا وداعية الفحشاء قال الفضيل ابن عياض: الغناء رقية الزنا. فالغناء دعوةٌ صريحةٌ إلى الفحشاء، ولهذا يحرص المغنون في أغنياتهم على ذكر محاسن النساء، وقَصص الغرام، والعشق، والمجون، والغزل، والهيام، ووصف القدود والخدود، والثغور والنحور، وما في معنى ذلك .. مما يثير لدى السامعين الوَجد والهوى ، ويحرك الغرائز، ويشعلُ نارَ الشهوات.
قال يزيدُ بنُ الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يُنقص الحياء ، ويزيد في الشهوة ، ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السكر ، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا"، وذلك لأن غناء الرجل ذو أثر كبير على عواطف المرأة ومشاعرها.."
ونزلَ الحطيئةُ الشاعرُ المشهورُ برجلٍ من العرب ، ومعه ابنته مليكة ، فلما جنَّ عليه الليل سمعَ غناءً فقال لصاحب المنزل: كفَ عني هذا فقال: وما تكره من ذلك ؟ ! فقال: إنَّ الغناء رائدٌ من رادة الفجور ولا أحبُ أن تسمعه هذه ، فإن كففته وإلا خرجت عنك!!
وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله-: فإنه رقية الزنا ومُنبت النفاق ، وشَرَك الشيطان، وخمرة العقل، وصدُه عن القرآن أعظم من صدِّ غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس ورغبتها فيه"أهـ."
ومن مضار استماع الأغاني والاشتغال بها وجعلها ديدناً وعادةً ومفتخراً: أنها سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة .
قال ابنُ القيم: ( والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو ، وبلو بالقحط والجدب ، وولاة السوء ) أهـ .
ولقد ارتكبت أمة الإسلام في الأندلس ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذت القينات والمعازف وأسرفت في ذلك إسرافاً شديداً ، وصرفت الأموال الطائلة في الأغاني والمعازف، فالدور والبساتين توقف على الموسيقي ، وأصبح المرضى يعالجون في المستشفيات بالموسيقي ، فكان الغناء من جملة ماعصوا الله به فحل بهم بلاء استأصل شأفتهم ودمر دولتهم، (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) (البقرة:57) .
ومن مضار الأغاني ومفاسدها التي نراها في عصرنا هذا: ما فيها من تدمير للغة العربية لغة القرآن ونشرٍ للعامية ونشرٍ لكلمات الفساد وتجريء الناس على الجهر بالسوء من القول, فكلمات وعبارات لا تقال إلا في المخادع, أصبحت تملأ المسامع ويرددها الشباب علناً بلا حياء ولا رادع ، والله جل وعلا لا يحب الجهر بالسوء من القول ، ناهيكم عن الكلمات التي تحمل الكفر والاعتراض على القضاء والقدر وسب الدهر والتأفف والتضايق من والأوامر الشرعية والقيود الاجتماعية والأعراف النبيلة مما يشجع السامع على التمرد على فطرته والثوران على قيمه الإسلامية .
ومن مضارها السيئة: أنها تغير معنى القدوة فيُصدرُ هؤلاء السفلة من المغنين على أنهم نجومٌ وأبطال وإذا ماتوا سموا شهداء !! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وإن تعجب فعجبٌ فعلُ صحافةٍ وشاشاتٍ وموجاتٍ أثير لا هم لها إلا المغني المشهور, ولا صوت لها إلا المطرب المغرور, ولا رصيد لها إلا الحفلات والمهرجانات والجلسات, مما يضل شباب الأمة ويفتنهم بل ويعلقهم بالفسقة والسبهلل من المغنين والمغنيات، وقد تكون المغنية نصرانيةً أو يهوديةً بل لربما كان اسم المغني يُفصح عن نصرانيتة وفسفة، والقدوة محمد صلى الله عليه وسلم وصحبُهُ قال تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) ) (الأحزاب:21) .