فهرس الكتاب

الصفحة 8081 من 9994

من خلالِه ينْشُرُ أهلُ الفسادِ فسادَهم, ويحققون بواسطتِه أهدافَهم ومآربَهم, ينقلون به عوراتِ البيوتِ والمدارسِ وقصورَ الأفراح, فكمْ من امرأةٍ عفيفة طُعنتْ في عفافها من صديقةٍ لها نشرتْ صورتَها على ملأٍ من النَّاس.

لقد ضربَ البلوتوث.. أعظمَ الأمثلةِ على الشَّرِ بنقله فئاماً من طُهرِ المجتمع المسلم إلى مستنقع الرذيلة وأودية الفساد.

فصرت ترى رجالاً مفتونين في حالةٍ من قلةِ الذوقِ وانعدامِ الحياءِ وضعفِ الإيمان.. يقلِّبون صورَ العاهراتِ الفاجراتِ في مجالسهم.

أو نساءً خلعن جلبابَ الحياءِ وزينةَ الإيمانِ.. يقلِّبن صور الماجنين والساقطين, إنَّ هذا النوع من الجوالاتِ مأساةٌ بكلِ المقاييس, كيف وهو يحتفظُ بالصورِ ولو مُسحتْ، ويُطيلُ أمَدَ التصويرِ إلى ساعات, والجرائمُ والفضائحُ التي نقلتها هذه الجوالات.. والتي هزَّت المجتمعَ وزلزلت كيانَه وأثارت اشمئزازه.. لنْ تكون الجرائمَ الأخيرةَ لهذِه الأجهزة .

لنْ يكون الطفلُ المختطف.. والذي تم اغتصابه وتصويره بهذا الجهاز.. لنْ يكون آخر الماسي, ولنْ تكون حادثةُ الرياضِ المشهورةِ.. آخرَ المآسي, ولنْ تكون حادثةُ شارعِ النَّهضة.. آخَرَ المآسي, ولنْ يكون ما قامتْ به إحدى الهيئات من مصادرةِ مائة ألف شريطٍ يتضمن صوراً نسائية لأعراسٍ في بلادنا وتُباعُ وتُنشرُ.. لنْ تكون آخر المآسي. ولذا فإنَّ الحديثَ عن هذه المأساة الأخلاقية سيتضمن الوقفات التالية .

الوقفة الأولى: إن مآسي هذا الجهاز إنما هي ثمرةٌ مرةٌ لتلك الفتاوى محلولةَ العقال، والمبنية على التَّرخصِ، والتي أباحت التصويرَ مطلقاً وبلا شروط، دون الإشارةِ إلى أنَّه من المسائلِ الخلافيةِ التي من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه. وأنَّ الورع يقتضي تركه وعدم الخوض فيه.

الوقفة الثانية: إنَّ فئاماً من شبابِ المسلمين قد ركبوا سُنَّةَ من كان قبلهم من الكفرةِ والمنافقين، والمجَّانِ الفاسقين.. وذلك بالاستهانةِ بالمشاهدِ الخليعة، والصورِ القبيحة، ولم يكتف أكثرُهم بحفظِها والنظرِ إليها مع ما في ذلك من إسخاط الرب-جلَّ جلاله- وقتلِ الغيرة والمروءة, بل راحَ كثيرٌ منهم يشيعونها في المسلمين، ويتناقلونها مع أصحابهم وأقرانهم، ويرسلونها إلى من يعرفون، ومن لا يعرفون، ولا يدركون مغبَّةَ ما يفعلون.

الوقفة الثالثة: إنَّ استعمالَ كمراتِ الجوال، والكمرات الرقمية.. في أمورٍ محرَّمة.. كتصوير النساءِ وبثِّ صورهنَّ ونشرها عبر البلوتوث أو الانترنت.. إنما هو عملٌ محرم، ومن أشدِّ الآثامِ تحريماً، لما فيه من انتهاك أعراضِ الآخرين، وإيجادِ المشكلاتِ الأسرية، والتسببِ في إشاعةِ الفواحشِ في المجتمع، وإيذاءِ المؤمنين والمؤمنات. ومن هنا فإنَّ على المسلمِ الصادقِ أن يهجرَ مثلَ هذه الأجهزةِ التي تهتكُ الأعراضَ، وتنشرُ الرذائلَ، أو على الأقل.. الامتناعُ عن استقبالِ الصورِ المحرمة، والمساهمةِ في نشرها (( من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ) ) [2] .

فلا يجوزُ النَّظرُ إلى الصورِ المخلِّةِ مهما كان المبررُ لذلك: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) ) (الأحزاب: 58) .

ومن ساهم في نشرِ الصورِ المحرمةِ أو الأفلامِ الفاضحةِ أو الكِلِبَّاتِ الماجنةِ إلى غيره.. فإنه يبوءُ بإثمِ صاحبِه مع إثمِه من غيرِ أن ينقصَ من آثامِ من أرسلتْ إليهم إلى قيامِ الساعة.

قال تعالى: ِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ )) (النحل: 25) .

ويقول: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ) ) [3] .

والعاقلُ تكفيه ذنوبُه.. فكيف يرضى بحمل أوزار الآخرين، وبأعداد مهولة تزيدُ بمرورِ الأيامِ وتقدِّم الأعوام، وبسببِ التطورِ الهائلِ في وسائلِ الاتِّصال وتبادلِ المواد بالهواتفِ الجوالةِ والإنترنت.

الوقفة الرابعة: إنَّ في نشرِ هذه الموادَّ المحرمة، وكذلك وضعُ نغماتِ التنبيهِ على الموسيقى والأغاني، إنَّ في ذلك كلِّه مجاهرةٌ بالذنب، وخروجٌ من المعافاةِ التي يُحرم منها المجاهرون, فليعلم الذين يتناقلون الصورَ الفاضحة، والأفلامَ الساقطة، والنغماتِ المحرمة، والكِلِبَّاتِ الماجنة، أنهم حَرِيون بالخروجِ من سِتْرِ اللهْ تعالى إلى المجاهرةْ بعصيانه، ويُخشى عليهم الحرمانُ من المعافاةِ في الدنيا والآخرة، مما يُنذرُ بسوءِ الخاتمة، وشؤمِ العاقبة، نسأل اللهَ العافية.

ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرةِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملاً ثم يصبحُ وقد ستره اللهُ، فيقول: يا فلان عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يسْتُرُهُ ربُه، ويصبحُ يكشفُ سترَ اللهِ عنه ) ) [4] .

قال ابن القيم رحمه الله وهو يعدد أضرار المعاصي: ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه، وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدِّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان.. عملتُ كذا وكذا، وهذا الضَّرب من الناسِ لا يُعافون، وتسدُ عليهم طريقُ التوبة، وتُغلقُ عنهم أبوابُها في الغالب"اهـ."

الوقفة الخامسة: إنَّ في استقبالِ الصُّورِ والأفلامِ المحرمة ومقاطعَ الفضائحِ والعوراتِ وتناقلها ونشرها إشاعةً للفاحشةِ في الذين آمنوا.

واللهُ تعالى يقول: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ) (النور: 19) .

قال ابن القيم رحمه الله: هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها.. فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها .

فاتق الله يا من تلطَّخ بهذا الإثم المبين، ولتبادر بتوبة إلى الله نصوحا قبل أن يدهمك الموت وأنت على هذه الحال السيئة، فإذا ابتليت بهذه القاذورات من استقبال المحرمات حتى صرت أسيراً لها فلا أقلَّ من أن تستتر بسترِ الله.. فلا تجاهرْ بها ولا تكنْ عوناً للشيطان على غوايةِ شبابِ المسلمين وفتياتِهم. فإذا اقتصرتْ على ذلك رُجيتْ لك التوبة، وكان حرياً أن تُعتق من أسرِ تلك الخطيئةِ المشينة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألَمَّ بشيءٍ منها فليستتر بسترِ الله، و ليتبْ إلى الله ) ) [5] .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه .

الخطية الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت