عباد الله...وصَفَ الله تعالى الإنسانَ بالجهلِ والظلمِ فقال: (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ).
فما أظلمَ الإنسانَ وما أجهلَه.
ما أظلمَ الإنسانَ حين يجحدُ بأفعاله مننَ المنان..
ما أظلمَ الإنسانَ حين يبدِّلُ نعمةَ الله كفراً, ويُحِلُ قومَه دارَ البوار..
ما أظلمَ الإنسانَ حين يستغني فيطغى..
ما أجهلَ الإنسانَ حين يستخدمُ نعمَ اللهِ المسخرةَ لخدمته في بوارِهِ ومضرتِهِ يقول تعالى: (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) (إبراهيم: 30-34) .
ويقول تعالى: (( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ) (النحل 35-55) .
عباد الله: إنَّ مِنْ نعمِ اللهِ تعالى على عباده أن سخَّرَ العقولَ البشريةَ لتبدع في الاختراع، وما مِن يومٍ إلاَّ وتتفتق فيه العقولُ عن مخترَعٍ جديد، أو صنعةٍ حديثةٍ.. وما من شيءٍ منها إلاَّ وفي الغالب له جناحان.. فجناحٌ داء.. والآخرُ دواء .
والأممُ الراقيةُ الواعيةُ.. تأخذُ من المخترعاتِ دواءَها، وتسخِّرُها لتحقيقِ مصالحِها ومنافعِها، والأممُ المتخلِّفةُ تنشغلُ بجناحِ الدَّاء ولا تأخذُ من المخترعاتِ إلاَّ جانبَها المظلمَ، وطرَفَها المضرَّ، وحدَّها المؤذي.
وتلك أمارةُ التخلفِ والسطحيةِ والانهزام .
العدوُ يصنعُ ويخترع.. وفي كلِّ صناعاته جانبان.. نافعٌ وضارٌ .
أما هو فيأخذ بأحسنِها.. ويربي أبناءه على ذلك.. ويدعُ لنا الجانبَ المظلمَ، ويلقي في رُوعِ أبناءِ أمتِنا أنَّ الحياةَ سفاهةٌ وغُثاءُ .
يصنعون الحاسبَ الآليَ.. ليستخدموه في التخطيطِ والبرامجِ الهادفةِ.. ويستخدمه بعضُنا في الألعابِ التافهة وإضاعةِ الأوقاتِ الشريفة.
ويخترعون شبكةَ الإنترنت.. ليجعلوا منها وسيلةً للتواصلِ بين الشعوب، والهيمنةِ الحضاريةِ والثقافيةِ أو منطلقاً للتنصير.. ويستخدمها كثيرٌ منا في تتبعِ الفواحشِ والمحرماتِ أو المحادثات المنفلتة من ضوابط الشرع .
يخترعون الهاتفَ.. ليستخدموه في حاجاتِهم وتسهيلِ أعمالهِم.. وتستخدمه ثلةٌ من أبنائنا في الرسائلِ الهابطةِ، والمكالماتِ الساقطة .
لماذا نظلُ أمةً متخلفة.. لا تحسن استخدام التقنية.
كلنا يدرك أنَّ الهاتفَ بأنواعِه ومنها الهاتفُ الجوال.. من نعمِ اللهِ علينا، فكمْ أنقذتْ هذه الخدمةُ من أرواحٍ بعد قدرةِ اللهِ ومشيئته، كم من مسافرٍ ظلَّ على اتصالٍ بأهلِه بها, وكم من تائهٍ في طريقٍ وصل إلى مرادٍه بها، كم أُختصرت بها من مسافات، وقُضي بها من حاجات, لكنها في عالَمِ السَّفَهِ والسقوط.. تحولتْ إلى وسيلةِ فسادٍ وإفساد.. حين سُخرت لغيرِ مرادِها واستعملتْ في غيرِ طريقها .
تحولتْ هذه النعمة إلى أداةِ أذى ومضايقةٍ للآخرين في مساجدِهم ومجالسِهم ومدارسِهم وأماكنِ أفراحِهم .
تحولتْ هذه النعمة من وسيلةٍ لقضاء الحاجات إلى وسيلةِ إضرارٍ وعبثٍ وضياعٍ للأوقات.
أصبحنا ننامُ ونستيقظُ ونحن نتحدَّثُ عبر هذه الجوالات .
أصبحنا نتحدَّثُ بها في كل مكان.. حتى داخلَ المساجد، وفي ساحاتِ المسجدِ الحرم، وأثناء الطواف، وعند إقامةِ الصلوات، ونتحدَّثُ في المجالس، وفي الاجتماعات، وأثناء المحاضرات، نتحدَّثُ في كل شيء، وعن كل شيء، في قيلَ وقال، وفي سؤالٍ متكررٍ عن الحال، وفي أخبارِ الزوجةِ والعيال، فضلاً عن فئةٍ.. حديثُها العشقُ والغرام، وفي إيقاعِ الغافلات, واستدراجِ المحصنات.
لقد أصبح الجوالُ يا مسلمون محنةً ونقمةً.. يوم أن أصبحَ بيدِ السفهاء والصغارِ والمراهقين.. يستخدمونه فيما يُغضبُ الله، ويؤذي عبادَه..
أصبح الجوالُ نقمةً حينما أصبحَ مصدراً لرسائلَ ساقطةٍ تحملُ في مضمونها حديثاً عن العشقِ والغرامِ.. والحب والهُيام، ولمزاً لشعوبٍ وقبائلَ وأمم .
أصبح الجوالُ نقمةً حينما أصبحَ موضةً يُتباهى بها.. ويوم أن أصبح سمةً للمظهريةِ الزائفةِ الزائلة..يتحدث به الصغار في مجالس الكبار، ولسان حال احدهم: ها أنا ذا أحمل جوالاً فشاهدوني.
والسؤال المهم الملح.. متى يعود الجوال مُنحةً ونعمةً بعد أن أصبح محنةً ونقمة ؟ يعود الجوالُ مُنحةً ونعمةً حينما يكون بيد العقلاء يستخدمونه فيما يرضي الله وفيما يخدم مصالحهم ويقضي حوائجهم.
تعود الجوالات نعمة, حين تتضمن رسائُلها دعوةً إلى الخير وإنكاراً لمنكر ونشراً لتباشيرِ النصر، وذلك حين يعي مرسلوها حقيقة قوله تعالى: (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ) (ق: 18) .
وقوله: (( من دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثمِ مثل آثامِ من تبعه لا ينقصُ ذلك من آثامِهم شيئا ) ) [1] .
وأنَّ كل ما سطَّرته اليدُ سيُكتب ويسألون عنه.
لقد كفرَ بعضُ الناس نعمةَ الجوال حينما أصبح مصدراً للأذى في المساجد بنغماته المزعجة، وأصواته المؤذية، ومزاميره الشيطانية، فشوش على المصلين في صلاتهم، وقطع عليهم خشوعهم وإقبالهم, ووالله.. لو قيل لنا قبل أعوام: سيأتي اليومُ الذي تُرفعُ فيه مزاميرُ الشيطان مع الأذان, وتُسمعُ الأغاني الماجنةُ مع الصلاةِ والقرآن, وتُضربُ المعازفُ والموسيقى في بيوت الرحمن.. لقلنا ذاك كذب وربِّ الأنام, إلاَّ إذا دخل اليهود محتلين لبلاد الإسلام, لكنه أصبح حقيقة ومن فعل المسلمين أنفسهم في هذا الزمان, فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا .
لقد أصبحت الجوالاتُ نقمةً حينما استخدمت في مجالس العلم وقاعات الدراسة والتعليم، فأذهبت هيبةَ مجالسِ العلم، وقطعت الفائدة على الدارسين.
لقد أصبحت الجوالاتُ نقمةً حينما استخدمت في المعاكساتِ وإيذاءِ المحصناتِ الغافلات، فكم من عفيفةٍ ديس شرفُها، وكانت البدايةُ رسالةَ جوالٍ عابثة، أو مكالمةً خاطئة، كم من أبٍ فُجعَ بابنته حينما تلطَّخ شَرَفُها وهو يقول: أنى لكِ هذا؟
لقد أصبحت الجوالاتُ نقمةً حينما أفسدتْ مجالسَنا وقطعتْ أحاديثَنا.. كم من متحدِّثٍ متحمسٍ قَطَعَ حماسَه مكالمةٌ تافهة, وكم من مجلسٍ مهيبٍ ذهبتْ هيبتُه بمتحدِّثٍ لا يراعي للاستماعِ آدابا، ولا للمجالسةِ أخلاقا, وإنْ كان الردُ والاتصالُ مغتفرٌ في الضرورةِ أو عند حاجةٍ يُخشى فواتها أوفي مجلسٍ لا جدَّ فيه.
عباد الله: ولا ننسى في هذه المناسبةِ أن نتحدَّثَ عن تلك الجوالاتِ المصوِّرَةِ صوراً ثابتةً ومتحركة، والتي تحمل خدمة البلوتوث.
ذلك الجوال الذي انتشر بين صفوف المسلمين رجالاً ونساءً, فيا لله.. كمْ نَشَرَ من القبائحِ والفضائح, كمْ كَشَفَ من العورات، وهَتَكَ سِتْرَ العفيفاتِ الغافلات, وكمْ أشاعَ من الفواحشِ والمنكرات.