فهرس الكتاب

الصفحة 8064 من 9994

قال: لا ولكنْ احبسوه وأحسنوا إِسارَه, فإنْ متُ فاقتلوه, وإنْ عشتُ فالجروحُ قصاص- رضي الله عنك- أبا الحسن, ما أنصفَك ! اعتداءٌ مسلح وهجومٌ مبّيت وشروعٌ في القتل, ومع ذلك أحسنوا إِسارهِ, فإنْ متُ فاقتلوه, وإن عشتُ فالجروحَ قصاص.

ثم أخيراً أيها المسلمون: ومن الإنصاف عدم التقديمِ بين يديِ اللهِ ورسوله, فحينَ ينطقُ القرآن أو تتحدثُ السُنَّة, فلا كلامَ لأحد, فلا اجتهادَ لفقيهٍ أو عالمٍ قضى سعدُ بنُ إبراهيم، قاضي المدينةِ في زمانهِ على رجلٍ برأيِ ربيعه, فأخبرهُ ابنُ أبي ذئب عن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ،بخلافِ ما قضى به فقالَ سعدٌ لربيعه, هذا ابنُ أبي ذئب وهو عندي ثقةٌ, يُحدثُ عن النبيِ - صلى الله عليه وسلم- بخلافِ ما قضيتُ به، فقال له ربيعه: قد اجتهدتَ ومضى حكمُك، فقالَ سعدٌ واعجباً ! أُنفذ قضاءَ سعدٍ بنِ أمِّ سعدٍ، وأرد قضاءَ رسول الله ؟!بلْ أردُ قضاءَ سعد، وأُنفذُ قضاءَ الرسول ! ثم دعا بكتابِ القضية، وصكِّ الحُكم فمزقه كلَّ ممزق, فتراجعَ عن الحكم، بعد تبينِ خلافهِ، وهو عينُ العدلِ والإنصاف، لذا كتبَ عُمر إلى أبي موسى ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس فاستبانت لك السُنة, أن تقضي بخلافه, بل إنَّ التراجعَ عن الرأيِ عند تبينِ الصوابِ, هو عينُ الإنصافِ حتى لو كانَ الخصمُ مجتهداً, ليس معصوماً .

فعند مسلم من حديثِ أبي هريرة ، لمَّا تُوفيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- ، واستُخلفَ أبو بكرٍ- رضي الله عنه- جاءه عمر، فقالَ كيفَ تقاتلُ الناس وقد قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: (( أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يشهدوا ألاّ إله إلا الله، فمن قالَها فقدْ عَصم مني نفسَه ومالَه وحسابُه على الله, فقال أبو بكر: واللهِ لأقاتلنَّ من فرَّقَ بين الصلاة, والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ, واللهِ لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونهُ لرسولِ الله, لقاتلتهم عليه، قال عمر فوا اللهِ ما هو إلا أن عرفتُ أنَّه الحق ) ). [5]

انظرْ إلى الإنصاف من أساتذةِ الإنصاف. يتراجعُ عن رأيهِ في قضيةٍ مصيرية، يترتبُ عليها دماءٌ تُسفك, ورقابٌ تقطع, وأشلاءٌ تمزق, ومع ذلك يتراجعُ بتواضع, ويُسلِّم بأدب.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين.

أما بعدُ:

فإنَّنا اليومَ أحوجُ ما نكونُ إلى الإنصافِ، في زمنٍ كَثُرَ فيه الاختلافِ وظهرتْ فيه الأهواءُ, وتشعبت بالمسلمين السبلُ. نحن محتاجونَ إلى الإنصافِ في مواقفِنا مع الحركاتِ الدَعويةِ, المعاصرة، فلا نبخسُ الناسَ أشياءَهم ولا نَهضمُهم حقَّهم، فعند الصوابِ يُقالُ أفلحوا في جانبِ كذا، وأجادوا في جانبِ كذا, وعند الخطأ يُقالُ أخطاؤا ويبينُ للناسِ خطأَهم, ويوضحُ (غلطَهم) لا شماتةًً بهم, ولا وضعاً من شأنِهم، ولكنْ معذرةً إلى الله وتحذيراً من الاغترارِ بتلك الأخطاء والانخداعِ بتلك التجاوزات، لقد ظهرتْ طائفةُ الخوارج في القرنِ الأولِ من دولةِ الإسلامِ، فكانتْ طائفةً منحرفةً لا جدال، تسببتْ في تصدعِ الأمة، وشيوعِ الفوضَى وخلخلةِ الصفوفِ, لكنَّ في الخوارجِ جوانبَ خيرةً يأبى العدلُ والإنصافُ إلّا أنْ تذكرَ فتشكر.

عندَ ابنِ كثيرٍ في تاريخه سَُئلَ عليٌ عن أهلِ النهروان - يعني الخوارج - أمشركونَ هُم ؟ فقال من الشرك فرُّوا قيل: أمنافقونَ هم ؟! قال: إنَّ المنافقين لا يذكرونَ الله إلا قليلاً، قيل: فما هُم يا أميرَ المؤمنين ؟! قال إخوانُنا بَغوا علينا فقاتلنا هم ببغيهم علينا ) أ.هـ .

انظرْ - يرحمك الله - إنصافَ علي قبلَ قليل كانَ يقاتلُهم في النهروان فلا يمنعهُ ذلك أنْ يُنصفَهم فيرميهم بشركٍ أو نفاق, ولكنْ إخواننا بغوا علينا، مع أنَّ الخوارجَ يكفرونه ويستحلونَ دمهَ, لقد كانَ أسلافُنا في غايةِ العدلِ والإنصاف, حتى مع أشدِّ الفرق ضلالاً حتى قال سليمانُ بنُ الأشعث في الخوارج أيضاً: ليس في أصحابِ الأهواءِ أصحُّ حديثاً من الخوارج, وانظرْ إن شئتَ إلى صحيحِ البخاري تجدْ الإمامَ أبا عبد الله قد أكثرَ من الروايةِ عنهم، بل عن دعاتِهم وكبار ِهم, ومثلهُم القدرية, ويقولُ الذهبي في سيرِه: وقد لُطِّخَ بالقدر جماعةُ, وحديثُهم في الصحيحين.

أيها المسلمون: نحن محتاجونَ أيضاً إلى الإنصافِ في نظرتِنا إلى تُراثِ الأئمةِ الكبار، سلفاً وخلفاً. فإنَّ ممَّا يؤرِّقُ الجفنَ, ويُدمي القلبَ، أن ترى وتسمع من يتطاولُ على أئمةٍ كبارْ، وعباقرةٍ جهابذةْ كالنوويِ, وابنِ حجرٍ وأضرابِهما يؤلفُ النوويُ موسوعةً ضخمةً كالمجموع، أو شرحِ مسلم, فيأتي حَدَثٌ صغير وطفلٌ مغرور لا يكادُ يحفظُ شروطَ الصلاة, أو يستظهرُ بضعَ أحاديثَ فيقولُها بكلِّ صلفٍ وغرورٍ، ما أحرى كُتبِ النوويِ أنْ تحرق وتشتعلُ فيها النارُ, ولماذا أيُّها العبقريُ الفذ ؟؟ لماذا تُحرقُ كُتبهُ ؟ لأنَّه أشعريُ المعتقد فلنحرقْ إذاً فتح الباري لابن حجر، والجامعِ للقرطبي, وأحكامِ القرآنِ لابنِ العربي، فكُلُّهم وقعوا في التأويلِ وخالفوا السلف فأين الإنصافُ يا مسلمون ؟! إنَّ مذهبَ الأشاعرةِ مذهبٌ عقائديٌ باطلٌ لا جدالَ فيه، لكنْ لماذا نَحرمُ أنفسنَا علوماً أنفقوا فيها جُلَّ أوقاتِهم، ونفائسَ أعمارهم، انظرْ إلى إنصافِ الذهبي وهو يُقوِّمُ كتاب السيرةِ لابن إِسحاق دون شططٍ أو انحراف، يقولُ - رحمه الله - ولا ريبَ أنَّ ابنَ إسحاقَ كثَّر وطوَّل بأنسابٍ مستوفاة اختصارُها أملح , وبأشعارٍ غير طائلة حذفُها أرجح, وبآثارٍ لم تُصحح يا للإنصاف ! ويا للأدب! طَولَ بأنسابٍ مستوفاة اختصارُها أملح، وبأشعارٍ غيرِ طائلةٍ حذفُها أرجح, فلمْ يحرقْ الكتاب ولم يأمرْ بإحراقِه, ويحتاجونَ أخيراً إلى الإنصافِ في إنزالِ الناسِ منازلَهم, فلا يَرفعونَ فوقَها، ولا يوضعونَ دونَها, فيبقى العالم ُعالماً وإن أبى الحاقدون, ويَظلُ المتعالمُ متعالماً وإن رفعَه الانتهازيون, ترجمَ الذهبيُ لأبي جعفرَ الباقر فقال لقد كانَ أبو جعفرَ إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله, كبيرَ الشأنِ, ولكنْ لا يبلُغ في القرآنِ درجةَ ابنَ كثيرٍ ونحوِه ، ولا في الفقه درجةَ أبي الزنادِ وربيعة، ولا في الحفظِ ومعرفةِ السنن درجةَ قتادةَ وابنَ شهابٍ، فلا نحابيه أي لا نرفعُه ولا نحيفُ عليه- أي لا نضعه - فرحمَ الله الذهبي ما أنصفه! وما أعدله ! إنُّه يضعُ الناسَ منازلَهم، فلا غُلوَ ولا جفاءَ, فهلْ نتعلمُ هذا المنهجَ الذهبي من الإمامِ الذهبي, عسى أن يكونَ ذلك قريباً .

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .

وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي.

اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت