فهرس الكتاب

الصفحة 8063 من 9994

يبقى ابنُ حزمٍ الظاهري فقيهاً لا يشقُ له غبار، مع شذوذهِ في مسائلَ شتى، ويبقى البخاري محدثاً فقيهاً لا يُبارى, مع مخالفتهِ في مسائلَ عدّه, ولا يَضرُّ الإمامينِ الجليلين تلك الأخطاءُ اليسيرة مهما عظُمت، أمامَ بحرٍ من التألقِ والإبداعِ، والحفظِ والإتقان، وتبقى تلك الأخطاءُ في حجمِها الطبيعيِ لا تُضخمُ ولا تُسمن، ولا تُتخذُ غطاءً للنيلِ من أصحابِها الأفذاذ, عندَ البخاري ومسلم بسندٍ متصل قال رجلٌ يا ابنَ عمر: أُنشدك بحرمةِ هذا البيت, أتعلمُ أنَّ عثمانَ بنَ عفان فرَّ يومَ أحد؟ قالَ: نعم , قال: أتعلمُ أنَّه تغيبَ عن بدرٍ فلمْ يشهدْها ؟ قال: نعم, قال: أتعلمُ أنَّه تخلفَ عن بيعةِ الرضوان ؟ قال: نعم, فكبَّر الرجلُ, وطارَ بها فرحاً، إنَّه رجلٌ حقودٌ, جاء يتتبعُ العثراتِ وينشُرها, ويُحصي الأخطاءَ ويُضخمها, لذا فهو يكبرُ فرحاً وينتَشي طرباً, وقد وجدَ طُلبتَه, وأدركَ حاجتَه من بعض عثمان وإشاعةِ الأراجيفَ حوله .

لكنَّ ابنَ عمر- رضي الله عنه- وقد عَرفَ حقيقةَ السائل, وأدركَ مقصدَه اللئيم, (( قال تعالَ لأخبرَك, أمَّا تغيبهُ عن بدر, فإنَّه كانَ تحته بنتُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم, وكانت مريضةً فقال له عليه السلام: إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ ممنْ شهدَ بدراً وسهمَه، وأما فرارهُ يوم أحدٍ فإنَّ الله عفا عنه, وأمَّا تغيبُه عن بيعةِ الرضوان, فإنَّه لو كانَ أحدٌ أعزَ ببطنِ مكةَ من عثمانَ لبعثهُ مكانَه, فبعثَ عثمان وكانتْ بيعةُ الرضوانِ بعدما ذهب, فقالَ عليه السلام بيدهِ اليُمنى هذه يدُ عثمان فضربَ بها على يدهِ, ثم قالَ ابنُ عمر لذلكَ المأفون, اذهبْ بها الآن فانقلبَ بها خاسئاً وهو حسير ) ) [1] .

تأمل- رحمك الله- منهج الإنصاف عند ابن عمر وهو يضعُ الأخطاءَ في حجمها الطبيعي, ويعتذر لصاحبها عثمان في مقابلِ تلك السوءاتِ الفكرية, التي لا همَّ لها إلا التهويلَ والإرجافَ، واستغلالَ المثالبِ لأغراضِ معروفة, ومقاصدَ معلومة قطع اللهُ دابر هم, وأبطل مكرهم وكيدهم.

وأما الأنموذجُ الثاني: من دلائلِ غيابِ مفهومِ الإنصاف عن حياتنا، فهو ذكرُ السيئاتِ ونسيانُ الحسناتِ، الإمامُ الراتبُ في مسجدهِ, يُمضي السنواتِ الطويلةِ, في إمامةِ الناسِ، صابراً محتسباً مُقدماً واجبَه الشرعي على مشاغلهِ الخاصة، ضاغطاً على أعصابهِ, محاصراً لمشاعره .

ثم تَعرضُ له ظروفٌ خارجةٌ عن إرادتهِ، فيتغيبُ لفروضٍ معدودة, وربَّما لأيامٍ محدودة, فتقومُ الدنيا ولا تَقعُد, ويُصبحُ حديثَ عتاولةِ المسجد، وربَّما عقدوا الاجتماعاتِ الخاصة, والمباحثاتِ الجانبية عند زوايا المسجد, وعلى أرصفةِ الشوارع، لبحثِ ذلكَ الأمرِ المهول وتداركِ ذلكَ الحدثِ الجلل, واتخاذِ إجراءٍ عمليٍ يردَعُ ذلكَ الإمامَ المستهتر, بداءً من عُبوسِ الوجه ومروراً بتحريمِ السلامِ عليه, وانتهاءً بجمعِ التوقيعاتِ لعزلهِ واستبداله، يا للظُلمِ والإجحاف ! إنَّهم يتناسونَ سنواتٍ من الحرصِ والاحتساب, والجدِّ والاجتهاد, وسنواتٍ من الصبرِ والتضحية, ويذكرونَ أياماً تخلفها، اللهُ أعلمُ بظروفها ؟!فأين الإنصافُ ؟ ولماذا غمطُ الناسَ وبخسُهم أشياءَهم ؟! ومثلهُ مؤذنُ المسجدِ الذي تقطعتْ حبالُ صوتهِ، وهو يرفعُ التوحيدَ فوقَ المنابر ويَظلُ سنينَ عددا، لا يُخطئُ التوقيت، أو يخلُ بالموعدِ المحدد يَستيقظُ الفجرَ قبلَ الناس، وينتظرُ مجيئَهم نصفَ ساعةٍ أو أكثر, ثم حينَ يتغيبُ معذوراً, أو يتأخرُ مجبوراً ! تُنسى جهودُه، وتُنسفُ إبداعاتُه, ويُصبحُ في أعينهم، المؤذنَ المفرِّط والمؤذنَ المتلاعِب ونحوَها من الاسطوانة المعروفةِ، فأينَ الإنصاف؟ أين الإنصافُ يا مسلمون ؟ لماذا يُنسى بحرُ الحسناتِ مقابلَ هفواتٍ معدودةٍ وتجاوزاتٍ محدودة.

رحمَ اللهُ الشعبيُ حيثُ يقول: واللهِ، لو أصبتُ تسعاً وتسعينَ مرةً, وأخطأتُ مرةً واحدةً ، لأعدُّوا عليَّ تلك الواحدة, لمَّا خاضَ الخائضونَ في الإفكِ ووقعوا في عرضِ أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها، كانَ من ضمنِ الخائضين حسانُ بنُ ثابت, ومسطحُ بنُ أُثاثه- رضي اللهُ عن الصحابةِ أجمعين- فهلْ نسيتْ الصديقةُ بنتُ الصديق، حسناتِ هؤلاءِ الأبرار مقابلَ خطيئتهمِ في حقها, وخوضِهم في عرضِها, ورميهم إيَّاها بأقبحِ تُهمة وأشنعِها؟

يجيبُنا عروةُ بن الزبير فيما أخرجهُ عنه البخاريُ قال: (( كانتْ عائشةُ رضي اللهُ عنها تكرهُ أنْ يُسبَّ عندَها حسان. ولماذا يا أمَّ المؤمنين ؟! لأنَّه القائل: فإنَّ أبي ووالدَة وعرضي لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ ) ) [3] .

يا سبحان الله !! رجلٌ يتهمُها بالزنا, ويُشيعُ عنها الفجور, فلا يمنعُها ذلك كلُّه من إنصافهِ مقابلَ بيتٍ من القصيد يُدافعُ به عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .

فإنَّ أبي ووالدَةِ وعرضي لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ

وأمَّا مسطحُ بنُ أثاثه، شريكُ حسَّان في الإفكِ فعندَ البخاريُ أيضاً (( خرجتْ أمُّ مسطح مع عائشةَ ماشيتين, فعثرتْ قدمُ أُمِّ مِسطحْ, فقالت: تعسَ مسطح فتردُ عليها عائشةُ في الحال, بئسَ ما قُلتِ ! تسبينَ رجلاً شهدَ بدراً، تسبينَ رجلاً شهدَ بدراً ) ) [4] .

عجيبٌ إنصافُ عائشةَ وورعِها, تنسى آلامها وهمومَها ومتاعبَها، التي تسببَ فيها مسطحٌ وغيره، وتذكرُ حسناتهِ, وأنَّه شهدَ بدراً فيالهُ من إنصاف ! تتضامن القممُ قبل أن تصلَ قاعَه, وتتقطعُ الرقاب قبل أن ترى عليائَه.

أيها الأحبةُ في الله: وليس من الإنصافِ التجاوزُ في العقوبة, والتعدي في القصاص، (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) ) (النحل:126) .

في يومٍ ما اتّهم أهلُ الكوفةِ سعدَ بنَ أبي وقاص بتهمٍ لا خطامَ لها ولا زمام, حتى قالوا إنَّه لا يحسنُ أنْ يصلي أي والله، يقولون عن صاحبِ رسول الله ، وأسدُ القادسيةِ وعاشر العشرةِ المبشرينَ بالجنة، يقولونَ إنَّه لا يحسنُ الصلاة, ويرسلون إلى عمر يشتكونَ سعداً ويطلبونَ استبداله. فيرسلُ عُمر مبعوثَه إلى العراق في مهمةٍ لتقصي الحقائق، فيسألُ عنه أهلَ الكوفة فيُثنون عليه خيراً, حتى إذا ما أتى مسجداً لبني عِبس إذا بشقيٍ حَقودٍ وغبيٍ جاهل يقومُ فيقول: أمَا إذْ أنشدتَّنا فإنَّ سعداً كان لا يسيرُ بالسرية- يعني جبان- ولا يَقسُم بالسويةِ يعني جائر, ولا يَعدلُ في القضية يعني ظالم .

فقامَ سعدٌ فقال: أما واللهِ لأدعونَّ بثلاث, اللهمَّ إنْ كانَ عبدُك هذا كاذباً قامَ رياءً وسُمعه، فأطلْ عُمرَه وأطلْ فَقره, وعرضه بالفتن, فكانَ بعدُ إذا سُئل يقولُ شيخٌ كبيرٌ مفتون, أصابتني دعوةُ سعد لقد كانَ سعدٌ منصفاً في معاقبتهِ لذلك اللئيم, فقد اتَّهمه بثلاثِ تُهم فدعا عليه بثلاثِ دعوات لم يزدْ عليهن, بلْ إنَّ إنصافَه تجاوز الحدود، فقد اشترطَ على ربهِ, فقال: إنْ كانَ عبدُك هذا كاذباً قامَ رياءً وسُمعه, فافعلْ به ما سمعتم.

قال الحافظُ ابنُ حجر (2/240) : تعليقاً على الحديث ومن أعجب العجب أن سعداً مع كونِ هذا الرجلِ واجهه بهذا وأغضَبه, فقد راعى العدلَ والإنصافَ في الدعاءِ عليه, إذ علَّقه بشرطِ أنْ يكونَ كاذباً, الحاملُ له على ذلك هو الغرضُ الدنيوي أ هـ ..

وأنا أقول وأعجبُ منه, موقفُ عليٍ- رضي الله عنه- مع قاتلهِ ابن مُلجم, ذلك الخارجيِ النذل يومَ قال الناس: يا أميرَ المؤمنين، ألا نقتلُ مراداً كلَّها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت