إن مردكم إلى الله ..عالم الغيب والشهادة؛ استوى في علمه؛ ما خفي وما أعلن: ( قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ٌ) [آل عمران: 29]
أيها المسلم: فعملك لا يكون عملا حقا؛ حتى يكون عملا تواطأ عليه القلب واللسان والجوارح؛ فعمل ظاهر مع خلو القلب من الاعتقاد واليقين لا ينفع؛ واعتقاد لا يترجمه عمل ظاهر لا ينفع؛ فلابد في العمل من أن يكون الظاهر والباطن سواء؛ ففي الباطن إخلاص لله، وقياما بما أوجب الله؛ وتعبد القلب لله ذلة واستكانة؛ وفي الظاهر القيام بالواجبات مع ترك المحرمات؛ هكذا العمل النافع، وهكذا العمل المفيد؛ وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن في حياته عليه؛ فيمضي عمره وهو في خير؛ تعبدا لله بكل جوارحه؛ ظاهرا وباطنا.
أيها المسلم: إنما الخوف على العبد أن يظهر الخير وهو مبطن لضده؛ وأن يظهر التمسك والثناء، وهو في قلبه على خلاف ذلك؛ أعمال صالحة مشوبة بالرياء والسمعة؛ لغير الله صلى، ولغير الله أطاع، ولغير الله تنفس، ولغير الله تعبد؛ فتلك الأمور لابد أن تكون صاحبها أحوج ما يكون إليه؛ لِذاَ اشتد خوف صالح هذه الأمة على أنفسهم، وخافوا على أعمالهم؛ فجمعوا بين الخوف من الله وحسن العمل: ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) [المؤمنون: من 57 إلى 60] .
هؤلاء الصلحاء خافوا على أعمالهم أن يعملوا لها رياء يبطلها، أو يعملوا لها - والعياذ بالله - شكوكا وارتياباً فتحبط الأعمال؛ خافوا على أحوالهم، ولم يثقوا بأنفسهم؛ بل عظم التجاؤهم إلى الله؛ وقويت الرغبة في الانصياع بين يدي ربهم؛ فهم دائما يقولون: ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) [آل عمران: 8] .
ويتذكرون قول الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) [الإسراء:74، 75] .
إن المؤمن يعمل؛ ولكن جعل نصب عينيه ..خاتمة الأعمال؛ لا يدري ما يختم له به؛ يخاف من تحول من الإيمان إلى الكفر؛ ومن استقامة إلى انحراف؛ ومن لزوم الطريق إلى البعد عنه؛ يرى أناسا اختلفت أهواؤهم، وتغيرت أفكارهم؛ وتنوعت آراؤهم؛ فهم يوما دعاة إلى الخير والصلاح؛ ويوماً يرفضون ما بدو، ويبدلون ما قالوا به سوءً وأعمالاً سيئة.
إذن فهو يخاف على نفسه أن يخدعه الشيطان فيستولي عليه؛ فينسيه ذكر الله، ويُصده عن سبيل الله المستقيم؛ فيختم له بسوء؛ فيلق الله على غير هدى أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
ولذا قال الله لعباده: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [آل عمران: 102] ؛ التزموا الإسلام واثبتوا عليه واستقيموا عليه؛ حتى يوافيكم الموت وأنتم على الإسلام ملازمين؛ غير مبدلين ولا مغيرين.
وانظروا ما قال الله عن نبيه يعقوب: ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [البقرة: 132] ؛ التزموا الإسلام علما وعملا؛ واعبدوه في الباطن والظاهر؛ وسلوا الله الثبات على الحق؛ فإن الله بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء؛ وسيد ولد آدم؛ سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء و المرسلين يقول دائما: ( اللهم مقلب القلوب: ثبت قلبي على دينك ) ؛ وتسأله عائشة - رضي الله عنها -: ( هل تخاف يا رسول الله؟! ) ؛ فيجيبها قائلا: ( إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ يقلبها كيف يشاء ) ؛ إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه.
أيها المسلم: فمن علامة توفيق الله لك، ومن علامة خاتمة الخير لك أن توفق في بقيه عمرك لأعمال صالحة؛ تستقيم عليها؛ تثبت عليها؛ تمضي بقية عمرك عليها؛ يقول أنس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله؛ قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟!؛ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ) يوفقه لعمل صالح قبل الموت؛ فيتداركه الله بتوبة نصوح؛ فيبدل سيئاته حسنات؛ ويتحلل من مظالم العباد؛ ويتوب إلى الله من سيئات الأقوال والأعمال؛ حتى إذا حضره الموت ودنى انتقال الروح من الجسد؛ فإذا هو ثابت على الحق؛ ثابت على الهدى؛ تزف له البشارة وهو على فراشه: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) [فصلت: من 30 إلى 32] .
هكذا أولياء الله الصادقون؛ الذين أخلصوا لله أعمالهم؛ وصدقوا مع الله في تعاملهم؛ فلم يكن هناك رياء ولا سمعة، ولا محبة للشهرة، ولا إرادة للعلو في الأرض: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [القصص: 83] .
أيها المسلم: إن المسلم ينبغي له دائما أن يسأل الله حسن الخاتمة؛ يسأل الله أن يختم عمره بخير؛ وأن يجعل بقية عمره خيرا من ماضيه؛ فهو دائما يقول: ( اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها؛ وخير أعمالنا خواتيمها؛ وخير أيامنا يوم نلقاك فيه ) .
أيها المسلم: حسن الخاتمة قد أقض مضاجع الصالحين؛ وكدر عليهم صفو حياتهم - لا والله - شرفا من عند رب العالمين فحاشا ذلك؛ ولكن اشتد خوفهم من أنفسهم أن يؤتوا من قبل أنفسهم من أعمال سيئة استوطنوها ؛ بقوا يخافون ألا يمكنوا من توبة؛ وأن تستمر بهم الشهوات والملذات؛ فتنقضي الأعمار بلا فائدة؛ فهم يخافون على أنفسهم؛ ويعلمون قول الله: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) [الشورى: 30] وقوله: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [يونس: 44] .
فاسأل الله خاتمة خير؛ واسأل الله أن تلقاه وأنت على الإسلام؛ لم تبدل ولم تغير؛ بل أنت مستقيم على هذا الهدى.
أيها المسلم: أسباب الخاتمة الحميدة أمور كثيرة؛ فأعظمها: تقوى الله في السر والعلانية؛ فاتق الله حيثما كنت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [الحشر: 18] تقوى حقيقية: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ) [يونس: 62، 63] ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) [الطلاق:2] .